والشكر صفة من صفات الله (عز وجل) : فقبل أن يُشَرف الحق (سبحانه وتعالى) عباده بدعوتهم إلى التخلق بالشكر أخبرهم أنه في حقه صفة من صفات كماله، فمن أسمائه الحسنى: (الشّكُور) ، لا يبخس العبادَ أعمالهم، ولا يظلمهم حقهم، بل يجزي بالحسنة أضعافها، ويجزي بالسيئة مثلها وقد يعفو ويغفر، يثني على عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويضاعف أجرهم وثوابهم، قال (عز وجل) : (( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ) ) [النساء: 147] .
وقال (سبحانه) : (( إن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ) ) [التغابن: 17] ، ويوم القيامة: يرى الناس من هذه الصفة الإلهية ما لم يروه في الدنيا، وعند ذلك يقول المؤمنون ما قال الله عنهم في كتابه: (( وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ) ) [ فاطر: 34] .
والشكر خلق من أخلاق الأنبياء: فهم أول من اقتبس من نور هذه الصفة الإلهية، فشكروا الله (تعالى) فشكر الله لهم، قال (تعالى) عن نوح (عليه السلام) : (( إنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) ) [الإسراء: 3] ، وقال عن إبراهيم (عليه السلام) : (( إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ) ) [النحل: 120] ، وقال عن سليمان (عليه السلام) ـ لما رأى عرش بلقيس مستقرًّا عنده ـ: (( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ) ) [النمل: 40] ، وكان نبينا محمد أول الشاكرين، فقد قام بواجب الشكر على أكمل وجه، وامتثل لأمر ربه الذي قال له: (( بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ) ) [الزمر: 66] ؛ أخرج الشيخان عن عائشة (رضي الله عنها) ، قالت: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا) ؛ فهو النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يلحقه أحد في معرفة النعمة وتعظيمها وشكرها بالقلب واللسان والجوارح.
والشكر خلق من أخلاق المؤمنين: وإنما كان الشكر من أخلاقهم لأن الإيمان يُعَلِّمهم أنهم وما يملكون لله، وما هم فيه من نعم محضُ فضل الله، فكيف لا يشكرون؟، ويعلمهم أنهم إذا شكروا الله (تعالى) فإنما يشكرون لأنفسهم؛ لأن خير هذا الشكر يعود إليهم، والله غني عنهم، قال الله (تعالى) : (( يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) ) [البقرة: 172] ، وقال (سبحانه) : (( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) ) [لقمان: 12] .
الشكر في الناس قليل: إذا كان الشكر من صفات الأنبياء والمؤمنين، فإنه ليس كذلك عند كل الناس؛ فالانتفاع بالنعم والغفلة عن المنعم بها سمة أكثر البشر، على الرغم من ظهورها وكثرتها وإحاطتها بهم من كل جانب، (( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ) ) [الأعراف: 10] ، وقوله (تعالى) : (( وَهُوَ الَذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ) )