فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 780

[المؤمنون: 78] ، وقوله (تعالى) : (( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) ) [سبأ: 13] .

تقصير أهل هذا الزمان في الشكر: ولو كان الناس يُحْدثون لكل نعمة شكرًا، لكان أهل هذا الزمان أَشكر لله من كل من سبقهم، لكثرة ما فتح الله عليهم من نعمة، آثرهم بها على غيرهم، فهم يشتركون مع السابقين في نعم لا تحصى، ويزيدون عليهم بنعم أخرى لم يعرفها المتقدمون على الرغم من وجودها في الأرض، وإنما تمكنوا من اكتشافها في هذا العصر لتقدم علومهم، والعلوم هبة العقل، والعقل هبة الله الأكرم الذي علم الإنسان ما لم يعلم.

لقد حصل تطور هائل في الإنتاج الزراعي والحيواني، وفي النقل ووسائل المواصلات، وفي اللباس والزينة، وفي الكسب والاحتراف، وفي السكن والفراش والأثاث، وفي الطب والعلاج، وفي الإعلام والتواصل، وفي كل مجال تقريبًا نجد تطورًا كبيرًا غيّر ظروف الناس نحو الأحسن ومكّنهم في الأرض ما لم يمكن لمن قبلهم.

ويبدو موقف هذا الجيل صعبًا عندما يلقى ربه، بالنظر إلى المفارقة العجيبة بين ازدياد النعم وتناقص الشكر، فالنعم تزيد والشكر ينقص، وصدق الله: (( إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) ) [البقرة: 243] .

الشكر يقابله الكفر: فشكر النعمة: ذكرها ونشرها، وكفرها: جحدها وحجبها، قال الله (تعالى) : (( وَمَن شَكَرَ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) ) [النمل: 40] ، وقال (عز وجل) : (( إن تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) ) [الزمر: 7] .

ومن أسباب كفر النعم: الغفلة عنها ونسيانها؛ أو تفسير مصدرها تفسيرًا باطلًا، فتصده شبهات أو شهوات عن رؤية النعم أو رؤية المنعم بها، وإذا تسلطت الشبهات والشهوات على قلب ابن آدم كثرت فيه الأفكار الباطلة والإرادات الفاسدة، ومن ذلك: ما ذكره الله (تعالى) عن قارون عندما ذكّره قومه بأن ما أدركه من مال نعمة من الله، فليحسن كما أحسن الله إليه (( قَالَ إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ) ) [القصص: 78] ، وظن أن تلك الأسباب التي أدرك بها ذلك المال نتيجة علمه ومهارته، وغاب عنه أنه وما يملك لله وحده، وأنه لا يرد عن نفسه ولا عن ماله الهلاك إذا شاء الله (تعالى) أن يهلكه أو يهلك ماله، وكذلك كان، لكنه لم ينتفع بآيات الله لما نزلت به، وإنما انتفع بها من اغتر به من قومه، أما هو فقد ذهب عِبرة لمن خلفه، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ الغير به.

فحتى لا يكفر العبد نعمة الله يجب أن ينظر إلى ما وراء الوسائط والأسباب حتى لا تحجبه الوسائط عن رؤية المنعِم الذي قدرها، قال (تعالى) : (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.... ) ) [النحل: 53] .

الشكر درجات: إذا كانت النعم تتفاضل، فهل يتفاضل الشكر؟، والجواب: نعم، فالشكر أشبه بمتصل يبدأ بأسوأ درجات الكفر وينتهي بأعلى درجات الشكر، فإذا كان الكافر محرومًا من هذا الخلق ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت