فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 780

حظ له فيه، فإن المؤمنين بعد اشتراكهم في أصل الصفة يتفاوتون فيها زيادة ونقصًا، بل تتفاوت أحوال الواحد منهم، فلا يكون شكره على درجة واحدة في كل أوقاته ومراحل عمره، وحتى ينافس المسلم على هذه الدرجات: ينبغي أن يدخل حلبة السباق متسلحًا بالعلم اللازم، وذلك بأن يعرف مراتب الشكر الثلاث، وهي: شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح.

شكر القلب: أول الشكر: علم، ومحله: القلب، فيعلم أن الله (تعالى) هو المنعم بكل النعم التي يتقلب فيها، فالالتفات إلى النعمة وحدها لا يجعل القلب شاكرًا حتى يفسر: هذه النعمة من أين جاءت؟، ومَنْ ساقها إلى الإنسان؟، وما دور الأسباب التي حصلت بها؟.

وقد جاء القرآن الكريم ليدفع جميع التفسيرات التي تنسب النعم لغير الله، قال (تعالى) : (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) ) [ فاطر: 3] ، وقال (عز وجل) : (( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ) ) [العنكبوت: 67] .

إن رصد النعم، والتعرف إليها، وتسميتها.. مرحلة تمهيدية لابد منها لشكر القلب، ولذلك أمر القرآن الكريم بإحصاء النعم ليكتشف الإنسان كثرتها وعجزه عن الإحاطة بها، فيعتبر بما عرف منها وأحصى، ويعتبر بما عجز عن معرفته وإحصائه، ولا يفهم من الآية الآتية عكس هذا؛ لأنها جاءت عقب مجموعة من النعم سماها القرآن الكريم وعدها، ثم قال: (( وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ) [النحل:18] .

وهناك طرق يمكن أن يسلكها القلب ليجمع بها في عالمه الذهني ما يوجد من النعم في العالم الخارجي، ومنها: ردها إلى أصولها، فالنعم أصول وفروع، فالصحة نعمة أصلية، يتفرع عنها: الحركة، والمشي، والعمل، والرياضة، والأكل، والشرب، والنوم، والسفر، والتعلم.. ومثل الصحة: الوقت، والعلم، والمال.. فهي نعم أصلية تندرج تحت كل واحدة نعم لا تحصى.

ومن هذه الطرق: ضم النعم إلى ما يجانسها ويشابهها، ونستطيع أن نصف النعم التي أنعم الله بها علينا في ثلاث دوائر، تضم كل واحدة عددًا لا يحصى من النعم.

فالأولى: تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مخلوقات، فهي نعم متفرعة عن نعمة الخلق والإيجاد، والثانية: تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا آدميين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الآدمية والإنسانية، والثالثة: تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مسلمين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الهداية والإيمان.

فالدائرة الأولى: تشمل سلسلة لا تنتهي من الترتيبات الكونية جعلت حياتنا على هذا الكوكب ممكنة، وقد عرف الإنسان اليوم ما لم يكن يعرفه أسلافه عن هذه الترتيبات، وعرف من دقتها أن أي خلل يقع في واحد منها يجعل الحياة على الأرض مستحيلة.. وعلى سبيل المثال: لو كانت الأرض أقرب إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت