(( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ) [الحجرات: 17] ، (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ) ) [المائدة: 3] .
وتتفرع عن نعمة الهداية والإيمان نعم كثيرة، منها: الأمن، والسكينة، والمغفرة،والرحمة، والتيسير، والرزق الواسع، والبركة في المال والعمل والأهل.. وغيرها كثير.
هذه دوائر ثلاث تصنف النعم حسب أنواعها وأجناسها.
أما اكتشاف النعم والتعرف عليها تفصيلًا فله طريقان، هما: الوحي، والعقل، فالكتاب والسنة ذكرا نِعمًا كثيرة، وأرشدا إلى وجوه المنافع الكامنة فيها، وبيّنا طريق شكرها.. والعلوم البشرية ـ طبيعية، وإنسانية ـ اكتشفت نعمًا أخرى، ولا زالت تكشف نعمًا جديدة أو منافع جديدة لنعم معروفة.
كثير من النعم لا يحتاج الإنسان إلى العلوم المتخصصة ليعرف منافعها وفوائدها، لكن هذه العلوم تُوسِّعُ معارف الإنسان، فيعرف منها ما لا يعرفه بالنظر العادي أو بالتجربة العادية، فالحواس الخمس، واللسان والفم، واليدان والرجلان، والماء والهواء، والطعام واللباس، والشمس والقمر، والليل والنهار.. نِعَم يستطيع كل إنسان أن يعد منافعها، ولكن العلوم التي درست هذه النعم تعرف عنها أكثر مما يعرفه الشخص العادي، فهذه العلوم في مسيرتها الطويلة كشفت ـ بقصد أو بغير قصد ـ من وجوه المنافع في الشيء الواحد ما يجعل نعمة واحدة من نِعَم الله نعم لا تحصى، وهذا وجه آخر في معنى قول الله (تعالى) : (( وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) ) [النحل: 18] ؛ لأن إحصاءها لا يمكن إلا وهي محصورة، فكيف وهي تتجدد، وتزيد، ويظهر في نعم معروفة ما لم يكن معروفًا؟، فكيف يحصي الإنسان شيئًا لا ينحصر؟.
يقول الله (تعالى) : (( فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) ) [الطارق: 5] .
ويقول (سبحانه) : (( فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إلَى طَعَامِه ) ) [ عبس: 24] .
فلو قام الإنسان برحلة عقلية مع الجنين في أطوار خلقه حتى يصير إنسانًا سويًّا، وقام برحلة مماثلة مع الطعام خارج الجسم ثم داخل الجسم حتى يصير غائطًا وبولًا.. ما استطاع أن يحصي نعم الله عليه في هاتين الرحلتين اللتين يمر بالأولى مرًّا، أو يمر بالثانية آلاف المرات، فيكف إذا استعان بما قاله علم الأجنّة عن الرحلة الأولى وما قاله علم الفسيولوجيا عن الثانية؟، ومع كل نعمة احتمالات عقلية أخرى لِما كان سيحدث من أنواع الاختلالات والأعراض والإصابات لو لم تسر الأمور سيرًا طبيعيًّا، فالنعم تعرف بما يقابلها من المحن، وكثيرًا ما نجد في القرآن الكريم التذكير بالنعمة وبالاحتمالات العقلية المقابلة، كقوله (تعالى) : (( أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَذِي تَشْرَبُونَ(68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ )) [الواقعة: 68 70] .