فإلى المقصود، والله المستعان، وعليه التكلان؛ فما أحرانا بضرورة مراجعة نفوسنا وحسن الظن بإخواننا والتزام ما يلي:
1 ـ توطين النفس على معاملة الناس بمحاسن الأخلاق، وجميل الخِلال، وهذا من مسلَّمات الدين، ولأجله بُعث سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم - ؛ إذ يقول: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» (1) ، والآيات والأحاديث التي تحث على التحلي بمكارم الأخلاق، وتنهى عن سفسافها وافرة معلومة.
وهي من أعظم ما يجلب الودَّ، ويُحِلُّ الوفاق، وينفي الفُرقة، ويزيل الشقاق.
وإنك لترى الرجلَ الذي يذكر بِغلَظ الطباع، وفظاظة الأخلاق، ما إن تتطلقْ في وجهه، وتَهَشَّ له بكلام لين، إلا وتجد أثر ذلك فيه.
والكلام في الخُلُق الحسن، وأثره على صاحبه، وعلى الناس، يطول جدًا، والخلاصة فيه: أنه لا يخيب صاحب أخلاق حسان أبدًا، ولا يعنو كمدًا؛ لأنه لا يحمل حسدًا، ولا يؤذي أحدًا.
وما الإشارات الآتية إلا وتتفيأ ظلال هذه الإشارة، وتمتد إليها بسبب متين، وتأوي فيها إلى ركن شديد؛ فهي خلاصتها، وعصارتها.
2 ـ معاملة الناس حسب طبائعهم التي أعطاهم الله إياها؛ فإن الله ـ سبحانه ـ كما قسم الأرزاق قسم الأخلاق؛ فمن الناس من هو حُرُّ الخلال، أَرْيَحِيُّ الطباع، يترقرق في وجهه ماء البِشْر.
ومنهم من هو فظ الأخلاق، صعب المراس، كأنما قُدَّ من صخر.
ومنهم من هو مبتغٍ بين ذلك سبيلًا، وقد أبان الرسول -صلى الله عليه وسلم - ذلك، فقال: «إن الله ـ عز وجل ـ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود، وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزْن، وبين ذلك» أخرجه أحمد (1) وأبو داود (2) والترمذي (3) .
وقد تمثل بعض الشعراء بهذا المعنى، فقال:
الناس كالأرض، ومنها هُمُ فمن خشن الطبع، ومن ليِّنِ
فجنْدلٌ تدْمى به أرجلٌ وإثْمِدٌ يوضع في الأعينِ
وبهذا يعلم أن معاملة الناس، ينبغي ألا تكون على وتيرة واحدة، بل يعامَل كلٌ منهم حسب طبعه، كما ـ تعالى ـ: {خُذِ الْعَفْوَ} [الأعراف: 199] .
قال العلامة الشنقيطي: «... العفو معروف في كلام العرب، تقول لك: «خذ العفو مني» أي؛ خذ ما تسهَّل لك من أخلاق الناس، ووجدت منهم طِيبًا بلا كلفة فخذ، وما جاءك من غير ذلك فاصفح عنه وتجاوزه...» (4) .