فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 780

وقال العلاَّمة السعدي: «الذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم» (5) .

وقد حفظت لنا عائشة ـ رضي الله عنها ـ موقفًا من المواقف النبوية التي تدل على حِذْقه -صلى الله عليه وسلم - في التعامل مع الناس، تقول عائشة: «إن رجلًا استأذن على النبي -صلى الله عليه وسلم - فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلَّق النبي -صلى الله عليه وسلم - في وجهه، وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل، قالت عائشة: يا رسول الله! حين رأيتَ الرجلَ قلتَ له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه، وانبسطت إليه؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يا عائشة! متى عهدتِّني فحَّاشًا؟ إن شرَّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس اتقاءَ فحشِه» أخرجه البخاري (6) ومسلم (7) .

قال القرطبي: «في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك، من الجور في الحكم، والدعاء إلى البدعة، مع جواز مداراتهم؛ اتقاء شرهم ما لم يؤدِّ ذلك إلى المداهنة في دين الله ـ تعالى ـ» (8) .

كما يرى المسْوَر بن مَخْرَمة ـ رضي الله عنه ـ موقفًا في ذلك، فيقول: «قَدِمَتْ على النبي -صلى الله عليه وسلم - أقبيةٌ من ديباج، مزررة بالذهب، فقسمها في أناس من أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخْرَمة، فلما جاء مَخْرَمة، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم -: «خبأت هذا لك» أخرجه البخاري (9) من طريق أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن المسور. وقال أيوب بثوبه، وكان في خلقه شيء، قال الحافظ ابن حجر: «والمعنى أشار أيوب بثوبه ليُري الحاضرين كيفية ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم - عند كلامه مع مَخْرَمة، ولفظ القول يطلق ويراد به الفعل؛ وإنما قيل في مخرمة ما قيل؛ لِمَا كان في خُلُقه من الشدة، فكان لذلك في لسانه بذاءة» (10) .

وبهذا يعلم أن سبب كثير من الشقاق، وسوء الوفاق، بين ابن وأبيه، أو زوج وامرأته، أو إمام وبعض جماعة مسجده، أو نحو ذلك؛ إنما هو بسبب الجهل بالطبائع ونوع الأنفس.

3 ـ معاملة الناس حسب منازلهم التي أنزلهم الله إياها؛ فالناس فيهم العالم والجاهل، والملك والسُّوقَة، والسائد والمسود، والغني والفقير، والكبير والصغير، والعاقل والمجنون، وغيرهم، فيعامل كلٌ حسب منزلته لا وكس ولا شطط.

قال السعدي: «فلا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال، وتنشرح له صدورهم» (11) .

وفيما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قولُه: «أنزِلوا الناس منازلهم» أخرجه أبو داود (1) ، وهو وإن كان حديثًا ضعيفًا، إلا أن في السنة شواهد كثيرةً تدل على معناه، ومنها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت