فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 780

وهو عبارة عن جولة(مع الجماعة المسلمة الناشئة؛ حيث تُربى وتُقوَّم، وتُعد للنهوض بدورها العالمي، بل بدورها الكوني، الذي قدّره الله لها في دورة هذا الكون ومقدّراته. وهو دور ضخم يبدأ من إنشاء تصور جديد كامل شامل للحياة، في نفوس هذه الجماعة، وإقامة حياة واقعية على أساس هذا التصور، ثم تحمله هذه الجماعة إلى العالم كله لتنشئ للبشرية حياة إنسانية قائمة على أساس هذا التصور كذلك ... وهو دور ضخم إذن يقتضي إعدادًا كاملًا.

وفي هذه السورة بصفة خاصة نشهد صورة موحية من رعاية الله للجماعة الناشئة؛ وهو يصنعها على عينه، ويربيها بمنهجه.

هذه الفترة الفريدة في تاريخ البشرية؛ فترة اتصال السماء بالأرض في صورة مباشرة محسوسة.

فنشهد السماء تتدخل في شأن يومي لأسرة صغيرة فقيرة مغمورة، لتقرر حكم الله في قضيتها) (1) .

وعندما نتأمل هذه السورة نجد أنها تدور حول عدة قضايا أو موضوعات رئيسة:

(أ) قصة المجادلة.

(ب) تهديد الذين يُحادّون، أي يخالفون ويعادون الله ورسوله.

(ج) التذكير بعلم الله ـ سبحانه ـ المحيط بكل نجوى، وتهديد من يتناجى بالإثم والعدوان والكيد والتآمر ضد المسلمين.

(د) التذكرة بأدب السماحة والطاعة للقيادة، وأدب مجالس العلم.

(هـ) كشف بعض كيد المنافقين الذين يتآمرون مع أعداء الدعوة من اليهود.

(و) بيان الصورة الربانية العظيمة لحزب الله؛ والممثل بالسابقين من المهاجرين والأنصار.

ولكن عندما نتدبر هذه القضايا المهمة والعظيمة، ونجد أن السورة قد بدأت بقضية المجادلة، بل إن اسم السورة التوقيفي نجده على نفس القضية، وهذا ما يُلقي في الروع؛ كيف أن الحق ـ سبحانه ـ يُولي أهمية خاصة بتلك القضية، وتكون في مقدمة سلم أولويات قضايا السورة بل والجزء كله.

وعندما نتأمل كيف أن التربية القرآنية الربانية ـ والممثلة في تلاوة وتدبر القرآن الكريم يوميًا ـ تقوم بدور عظيم في عملية البناء الفكري والسلوكي لعقل الأمة الباطن، وتذكره بأهمية مثل تلك القضية.

لأن البداية في عملية التغيير الحضاري إنما تنبع من فكرة عظيمة في قلب رجل عظيم.

ثم تنشئ هذه الفكرة تحولًا نفسيًا في نفوس البشر؛ وهذا التحول ينشئ دافعًا داخليًا؛ ثم يفرز هذا الدافع سلوكًا عمليًا، فينتج تغييرًا فرديًا؛ ثم تحولًا حضاريًا بأشكاله المنوعة؛ سواء الجانب الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي.

{إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .

إذن: أي تغيير فردي أو جماعي أو أممي إنما ينطلق من تغيير فكري.

والتغيير الفكري هو الذي يحدد نوعية هذا التغيير الحضاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت