إذن: مقياس جودة أي تغيير فردي أو حضاري هو المنطلق الفكري لهذا التحول؛ أو القاعدة الفكرية لهذا التغيير.
فما أحوجنا لتأمل ذلك، وما أحوجنا لتدبر الأساليب التربوية القرآنية.
وكذلك ما أحوجنا لفقه دور القصة في تشكيل وإعادة صياغة عقل الأمة، في مواجهة التحديات الحضارية.
تلك التحديات التي تشمل صورًا منوعة من التدافعات؛ وأهمها التدافع الفكري والآرائي.
وبتدبر آيات هذه القصة، نجد أن لها بعدين:
الأول: وهو البعد الظاهر القريب؛ إذ تقص علينا أحداث خلاف حياتي عادي وملابساته، وقع في إحدى البيوتات الإسلامية، بين رجل وامرأته، فحدث بينهما ما يشبه الطلاق، ثم أراد الرجل أن يجامعها فأبت، وذهبت إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فشكت إليه، وحاورته، في رأيه في القضية، ولم تقتنع برأيه -صلى الله عليه وسلم-، حتى نزل الوحي بآيات الظهار، في مطلع سورة المجادلة؛ لتقدم الحل الرباني الشامل الكامل الخالد لهذه القضية.
الثاني: وهو البعد التربوي العظيم، والذي يمكننا استجلاؤه من خلال النظرة المنهجية الكلية الفاحصة لآيات القصة وملابساتها؛ حيث يقدم الرد الهادئ لقضية مهمة، طالما دار الجدال والتشكيك حولها؛ ألا وهي قضية مكانة المرأة ودورها في المجتمع الإسلامي.
وبتدبر آيات القصة ـ من خلال تلك النظرة ـ يمكننا أن نضع أيدينا على بعض السمات أو الركائز التي تجعل من خولة ـ رضي الله عنها ـ شاهدة صادقة وموثقة على عصرها؛ ولتكون خير دليل، وبرهان عملي على مكانة المرأة في هذا المجتمع الرباني:
? السمة الأولى: قدرتها على إدارة الأزمة:
لقد أوضحت خولة بنت ثعلبة ـ رضي الله عنها ـ أن سبب المشكلة، وبداية القضية؛ أنها راجعت زوجها أوس بن الصامت ـ وهو أخو عبادة بن الصامت رضي الله عنهما ـ في شيء مما أثار غضبه، فقال لها: أنت عليّ كظهر أمي؛ أي محرمة عليّ، وهو من الطلاق في الجاهلية.
ثم بعد ذلك أراد زوجها أوس بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ أن يباشرها فأبت، وخرجت قاصدة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في شكواها، ورفع القضية إليه.
وقد ورد أن أوسًا كان (امرأً به لَمَمٌ، فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته، وإذا ذهب لم يقل شيئًا) (2) .
وسنرى كيف تصرفت خولة ـ رضي الله عنها ـ تصرفًا راقيًا حيال هذه المشكلة.
وسنرى كيف أن كل الروايات الصحيحة، أوردت أنها هي التي تحركت وجادلت، بل صممت على الحل العادل الذي يتوافق وظروف بيتها.