ويؤكد ذلك الروايات الصحيحة عن القصة، وكذلك اسم السورة.
وكل هذا يؤكد أنها كانت على قدر من المسؤولية على استيعاب أي خلاف عائلي، أو إدارة الأزمات العائلية بحكمة؛ خاصة إذا علمنا سلوك وطباع زوجها المذكورة.
? السمة الثانية: فقهها لأدب الاختلاف:
وعندما نورد هذا المثال إنما نورده، لنفتح بابًا في التربية، وهو إذا كان هؤلاء بشر يخطئون، ويتشاحنون، ويختلفون، ولكن كان يظلل هذا الخلاف ضوابط معينة لم تك لتغيب عن امرأة من ذلك الجيل القرآني العظيم.
وهو باب عظيم في التربية، ومدخل يتوازى مع الخط الذي ينتهج دراسة الشخصيات المميزة، والقدوات من ناحية الفضائل، وننسى أنهم بشر، بل يجب دراسة أدب السلوك عند النقائص.
أو من باب فقه أن الإسلام من خصائصه العظيمة: الواقعية.
(وليس هذا من باب الطعن بالسلف بحالٍ من الأحوال، ونعلم أن الله ـ سبحانه ـ يزن المسلمين بميزان سورة الأحقاف: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16] . نعم! إنه ليس الطعن، ولكنها دعوة إلى الواقعية في فهم تاريخنا) (1) .
وندرك أيضًا أن الاختلاف بين البشر سنة ثابتة ومطردة، من سنن الله ـ عز وجل ـ الإلهية {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119] .
إذن لا يحق لنا أن نذهل أمام المشاكل والخلافات التي تقع، سواء في محيط الأفراد، أو في محيط الأسرة الواحدة، أو في محيط المؤسسات.
ولكن الخطورة هي أن ينقلب هذا الخلاف الظاهري إلى خلاف باطني مذموم، بل محرم: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (2) .
ومن هذا الملمح التربوي المهم، نضع أيدينا على سمة مهمة من سمات المنهج الذي أفرز هذا العصر الناصع؛ وهو أن المنهج الذي أخرج هذه الأمة الرائدة القائدة، كان منهجًا واقعيًا، منهجًا يرقى بالبشر إلى أفق وضيء، ولا ينسى أنهم بشر، يخطئون، ويتعاتبون ويغفرون، ويُعاقبون.
منهج لا يقوم على المثالية المجردة، التي لا تحدث ولا توجد إلا في الأحلام والخيالات، في أحلام (اليوتوبيا) أو مدينة أفلاطون الفاضلة. والأمثلة كثيرة، أكثر من أن تُحصى، ولك في الخلاف على الغنائم أثناء غزوة بدر، أبرز مثال نرى فيه كيف كان هذا القرآن هناك يعاتب ويصحح: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] .