فهرس الكتاب

الصفحة 573 من 780

6-التعرف على سنن الله (عز وجل) في التغيير، والسير على هداها:

إن إدراك معاني أسماء الله (عز وجل) وآثارها ومقتضياتها يفتح في قلب المؤمن منافذ عديدة على سننه (عز وجل) التي لا تتبدل ولا تتحول، وبخاصة إدراك آثار حكمة الله (عز وجل) ورحمته ولطفه وإحسانه، ولقد مرّ بنا كيف أن فقه قوله (تعالى) : (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) )يطبع في القلب شعورًا برحمة الله (عز وجل) وخيره وبره، وأن كل ما يقضيه (عز وجل) هو عين الخير والمصلحة والحكمة، وهذا الشعور يؤدي بدوره إلى فتح القلب والفكر على سنن الله (عز وجل) التي تنبثق من هذه المعرفة، وعندما تحصل هذه المعرفة لسنن الله (عز وجل) في التغيير: فإن الفكر البشري ينضبط ويستقيم ولا تتقاذفه الثقافات المادية ذات اليمين وذات الشمال، وبذلك يسلم من التفسيرات المادية للأحداث، والتي تربط كل المتغيرات بأسباب مادية بحتة؛ كتلك التي تربط النصر والهزيمة بأسباب مادية، أو تلك التي تفسر العقوبات الربانية كالزلازل والأعاصير بكونها ظواهر فلكية بحتة، متجاهلين قدر الله وحكمته.

كما أن هذه المعرفة تثمر أيضًا: معرفة الموازين المنضبطة الثابتة التي توزن بها الأمور والأحوال والأشياء، وحُقّ لها أن تكون بهذه المثابة؛ لأنها من عند الله (عز وجل) الحكيم، العليم، الرحيم، الودود، الذي يعلم ما كان وما سيكون، والذي له الكمال المطلق، وهو الغني الحميد. وهو (سبحانه) يقول الحق، ويقصّ على عبيده ـ رحمة منه وفضلًا ـ جانبًا من أسرار سنته وقدره ليأخذ الناس حذرهم وليعتبروا ويتعظوا، وليدركوا الرحمة والخير والحكمة الكامنة وراء هذه السنن الربانية والموازين الإلهية، والتي بدورها تؤدي إلى معرفة المنهج الصحيح للتغيير، كما تؤدي إلى المنهج الصحيح لتقويم الأمور ووزنها بالميزان الحق.

ولقد مر بنا في الثمرات السابقة بعض السنن الربانية التي يهتدي إليها القلب العامر بمعرفة الله (عز وجل) وتوحيده، ولكن نخص هنا بعض السنن بشيء من التفصيل، وذلك فيما يلي:

أ- العاقبة للمتقين: إن وعد الله (عز وجل) لا يتخلف، وكلمته لا تتبدل، ولقد قال ـ وقوله الحق ـ: (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ(171) إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ (172) وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ )) [الصافات: 171- 173] هذا وعد الله (سبحانه) ، ولو تأخر وأبطأ على عباده فإن من وراء ذلك التأخير حكمة وخير.

ب- ويتعلق بهذه السنة سنة أخرى في معناها، وهي قوله (تعالى) : (( وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) ) [النساء: 141] يقول ابن القيم (رحمه الله تعالى) في معنى الآية: (قيل: بالحجة والبرهان، فإن حجتهم داحضة عند ربهم، وقيل: هذا في الآخرة وأما في الدنيا فقد يتسلطون عليهم بالضرر لهم والأذى، وقيل: لا يجعل لهم عليهم سبيلًا مستقرة، بل وإن نصروا عليهم في وقت فإن الدائرة تكون عليهم، ويستقر النصر لأتباع الرسول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت