فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 780

وكيف يسكن الخوف والهلع في قلب من اطمأن إلى حكم ربه، وأحسن الظن به، وفوض أموره إليه. إن الخوف والهلع سواءً أكان على الرزق أو الأجل لا يكونان إلا عند من لم يعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أما لو عرف ربه (عز وجل) ، وأنه رحيم ودود، وأنّه حكيم عليم، وأنه لطيف خبير.. معرفة حقيقية يتعبد لربه بها: فإن الاطمئنان والسكينة تعمران القلب، وتنفيان كل دواعي الخوف والوجل من المخاليق الضعفاء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن أن يملكوا شيئًا من ذلك لغيرهم. ويبقى صاحب هذا القلب مطمئنًا إلى حسن اختيار الله له، يستشرف رحمة ربه وخيره في كل ما يقضيه الله عليه؛ ولو ظهر في هذا المقضي من الشر والألم ما ظهر، فمن يدري؟! فلعل في طيات المحنة منحة ونعمة.

ج- السلامة من أمراض الكبر والخيلاء:

إن القلب لا يصدق عليه أن يوصف بكونه سليمًا صحيحًا حتى ينضم إلى ما ذكر سابقًا سلامته من أمراض الكبر والفخر والخيلاء؛ فإن العبد المؤمن متى ما عرف ربه (عز وجل) وتعبد له بأسمائه وصفاته فإن المسكنة والمحبة لله (عز وجل) سوف تملأ القلب؛ وينتج عن ذلك: التواضع للحق وإيثاره، والتواضع للخلق، وعدم غمطهم وظلمهم، بل لا ترى مَن هذه صفته إلا محبًّا للخير والإحسان للناس، ولا تراه إلا محقرًا لنفسه، منشغلًا بعيوبها عن عيوب الناس؛ لأنه يشهد حكمة الله (عز وجل) في ابتلائه لعبده بالخير والشر. ولأن أسباب الكبر والتعالي على الناس لا تخرج عن كونها اغترارًا بنعمة دينية أو دنيوية، وأنه إذا أيقن العبد المؤمن أن هذه النعم إنما أعطاها الله لعبده ليبلوه أيشكر أم يكفر؛ فإن الخوف على النفس من هذا الابتلاء سيشغله عن التعالي على الناس، أو الفخر عليهم، وكيف يكون ذلك وهو لا يدري أين يكمن الخير أو الشر؟! ولعل هذه النعمة التي يفتخر بها فتنة له ومتاع إلى حين، أو أن الذي يفخر عليه ممن هو دونه يكون في خير ورحمة مفتوحة من الله (عز وجل) عليه، والناس يحسبون أنه في ضيق وشر!.

5-محاسبة النفوس والانتباه إلى خطر المعاصي وشؤمها على الفرد والمجتمع:

إن من ثمار هذه السنة الكريمة أن ينتبه العبد المؤمن إلى نفسه ويحاسبها على تفريطها وذنوبها. وهذا بعض الخير الذي يجعله الله فيما يراه الناس شرًّا ومصيبة؛ حيث إن المصائب والشرور المقدرة على العبد المؤمن غالبًا ما تكون تكفيرًا للذنوب، وإيقاظًا له من الغفلة، ومجالًا لتطهير النفس من أدران المعاصي والسيئات. ومتى ما حصلت هذه الثمرة العظيمة في القلب فإن المصيبة والنقمة تصبح في حقيقة الأمر خيرًا ونعمة لصاحبها؛ وصدق الله العظيم: (( لا تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) ).

أما إذا حصل العكس من ذلك ـ والعياذ بالله ـ وذلك بأن كانت المصيبة سببًا في مزيد من الغفلة أو التسخط على أقدار الله (تعالى) ؛ فإن المصيبة والحالة هذه لا تعتبر خيرًا لمن وقعت عليه، لكنها قد تكون خيرًا لغيره عندما يحصل الاتعاظ والعبرة بحال من وقعت له المصيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت