وصفاته العلا، والتعبد له (سبحانه) بها، والعمل بمقتضاها، والذي يولد في النفس الرضى بما يختاره الله (عز وجل) ، وأنه أرحم بعبده من نفسه (( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) [ آل عمران: 66] .
4-سلامة القلب:
عندما يمتلئ القلب بتوحيد الله (عز وجل) ومعرفته (سبحانه) بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ويمتلئ باليقين بوعده، والثقة بحكمته، وانتظار رحمته؛ فإن كل ذلك يضفي على القلب صفاءً ونورًا وطهارة تُسل بها من القلب أمراض كثيرة؛ فيصبح القلب بعدها سليمًا صحيحًا، وينعم به صاحبه في الدنيا والآخرة؛ قال (تعالى) في وصف إمام الحنفاء (عليه الصلاة والسلام) : (( إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ) [الصافات: 84] وقال (تعالى) حكاية لدعاء إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) : (( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )) [الشعراء: 87 89] .
ومن أهم مظاهر سلامة القلب التي تحصل بهذه المعرفة ما يلي:
أ- السلامة من أمراض الحقد والحسد والشحناء:
وذلك لأن الذي يوقن بحكمة الله (عز وجل) ورحمته في كل ما يقضيه من أقضية كونية وشرعية: يعلم علم اليقين أن لله (عز وجل) الحكمة البالغة في إعطاء من يشاء، ومنع من يشاء، وإعزاز من يشاء، وإذلال من يشاء. وهذا العلم لابد أن يثمر الرضى بما يقدره الله (عز وجل) ويقضيه على الناس؛ وبذلك تزول الشحناء والأحقاد المتولدة عن الحسد المتولد أصلًا من معارضة أقدار الله (عز وجل) والتسخط لها.
ب- لسلامة من أمراض الخوف والطمع:
إن المؤمن الراضي بربه والموقن بحكمته وبره ولطفه لا تجده إلا قانعًا بما آتاه الله (عز وجل) ، مطمئنًا إلى اختيار الله (سبحانه) له؛ لأنه (عز وجل) أعلم بما يصلح للعبد من نفسه، وهذه الثمرة تقضي على هذا الداء الخطير (داء الطمع والحرص والتهالك على الدنيا وزينتها) ؛ لأن القلب الراضي المفوض أمره إلى الله (عز وجل) قد امتلأ غنى وقناعة ومحبة وتوكلًا على الله (سبحانه) ؛ فحري بقلب هذه صفته ألا يكون فيه محل لمحبة غير الله، وهذه الثمرة يتولد عنها ثمار طيبة، منها: عدم الأسى على ما فات، وعدم الفرح بما هو آت؛ قال (تعالى) : (( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22) لِكَيْلا تًَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )) [الحديد: 22،23] ، والعبد المؤمن لا يدري أين يكون الخير، أهو في الفائت أم الآتي؟ ولكن الله وحده هو الذي يعلم، وهو علام الغيوب.
كما أنها تثمر أيضًا: الزهد في الدنيا، والحذر منها، فكم فرح بالدنيا أناس فكانت سبب هلاكهم وشقوتهم؛ قال (تعالى) : (( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) ) [الشورى: 27] .