وبقيت كلمة أخيرة في هذه الثمرة أنصح بها نفسي وإخواني طلاب العلم؛ وذلك بأن نحرص أشد الحرص ـ ونحن ندْرس أو نُدَرّس أبواب التوحيد المختلفة ـ على ألا نكتفي بالدراسة العلمية الذهنية المجردة فقط، وإنما نسعى جاهدين في ربطها بأعمال القلوب، وما تثمره فيها من أنواع العبوديات المختلفة التي يجب أن يظهر أثرها في المواقف والسلوك وجميع التصرفات، والله المستعان.
2-الصبر على البلايا والمصائب وقوة الاحتمال:
وهذه الثمرة لها علاقة بما قبلها؛ فعندما يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته ويتعبده بها، فإنها تثمر في القلب ثباتًا، ورباطة جأش، وصبرًا أمام الابتلاءات والمصائب؛ فلا يضعف ولايخور وهو يعلم أن ربه الرحيم الحكيم، اللطيف الخبير، الودود الغفور: هو الذي قدرها عليه، وأنه لم يقدرها ليعذبه ويشقيه، ولكن ليرحمه ويرده إليه.. عند ذلك يفوض أمره إلى ربه، ويرضى بما يختار له مولاه (سبحانه) ، ويعلم أنه هو الذي يمده بالقوة والعزيمة، والصبر وحسن العاقبة. إن هذا الشعور يملأ القلب قوة وصبرًا واحتمالًا أمام الشدائد؛ لقوة الرجاء في الله (عز وجل) ، واليقين بفرجه ونصره، واليقين بحسن العاقبة من الله (عز وجل) فيما أعده للصابرين؛ قال (تعالى) : (( إن تَكُونُوا تًَالَمُونَ فَإنَّهُمْ يًَالَمُونَ كَمَا تًَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) ) [النساء: 104] .
وإن مما يقوي الصبر على الشدائد يقين العبد أن ما أصابه إما أن يكون تكفيرًا لذنوبه، أو سببًا لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه.
فإذا أيقن العبد المبتلى أن العاقبة الحميدة من النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة لا يوصل إليهما إلا على جسر التعب والمشقة: فإنه بذلك يقوى صبره، واحتماله، وبذله وتضحيته في سبيل الله (عز وجل) ، مع تفقد النفس من الذنوب، وتنقية الصف من المنافقين، فذلك من أسباب النصر.
3-سعادة القلب وطمأنينته وسكينته:
عندما يعلم العبد المؤمن أن كل ما يقضيه الله (عز وجل) هو عين الحكمة والرحمة، والخير، سواء في العاجل أو الآجل، فإن هذه المعرفة تضفي على القلب شعورًا بالأنس والسعادة والطمأنينة والسكينة، مهما اشتدت المصائب، وتوالت المحن؛ وبذلك يسلم صاحب هذا القلب من تلك الأمراض والوساوس التي تفتك بكثير من الناس الذين حرموا مثل هذه المعرفة العظيمة بربهم، نعم سوف لا يخيم على نفسه ما يخيم على النفوس اليائسة، من الشعور بالقلق والاكتئاب وانكساف البال، تلك الأشياء التي تجر وراءها من مصائب الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا الله (عز وجل) . وسوف يريحه هذا الشعور من الأفكار المتعبة التي تنشأ من كثرة الاختيارات والترددات، التي هي منشأ القلق والهم والغم.
إن التسخط وعدم الرضى بما قضاه الله (عز وجل) باب إلى الهم، والغم، والحزن، وشتات القلب، وسوء الحال، والظن بالله ظن السوء، ولا يدفع ذلك كله إلا معرفة الرب (عز وجل) بأسمائه الحسنى،