وحمى به عقيدة أهل السنة من الانحراف أو الاندثار، ولقد كانت هذه البليَّة لإمام السنة خيرًا له فيما بعد؛ فما كان لينال هذا الخير لولا هذا الابتلاء وما من الله به عليه من الثبات والتضحية.
2-شيخ الإسلام ابن تيمية وسجنه:
وكذلك لا أظن أحدًا من أهل العلم يجهل هذا الرجل العظيم، وما ضحى به في سبيل الله (عز وجل) بعلمه وجهاده وصبره وما لاقى في ذلك من السجن والإبعاد، ولكن كان في ذلك الابتلاء خير له ورفعة، كما يقول ذلك هو عن نفسه عندما ورد المرسوم السلطاني بسجنه في قلعة دمشق: (أنا كنت منتظرًا ذلك، وهذا فيه خير عظيم) (3) .
وقال: (لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة) .
كما كان في الابتلاء الذي تعرض له خير للمسلمين في عصره وما تلاه من العصور؛ وذلك بانتشار دعوته وعلمه؛ يقول (رحمه الله) : (ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه، فيحق الحق بكلماته، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق...) (4) .
احتراس وتنبيه:
وفي هذا المبحث أود التنبيه على قضية يُخشى أن تنشأ من خلال الحديث عن الرضا بقدر الله (عز وجل) وتفويض الأمور إليه؛ ألا وهي الانحراف بهذا الأمر إلى المفهوم الخاطئ لمسألة الرضا والتسليم لقضاء الله (عز وجل) ، والذي قد يؤدي إلى التواكل، والعجز، والرضا بالفساد، والذلة، والمهانة، وترك الأخذ بالأسباب والدعوة والجهاد؛ فنكون قد عالجنا مرضًا وانفتح علينا مرض آخر. من أجل ذلك سأخص هذا المبحث بالحديث عن هذه القضية، وذلك احتراسًا من الفهم الخاطئ الذي قد ينشأ لو لم يحصل هذا التنبيه، فأقول وبالله التوفيق:
إن من القواعد المهمة لمطالعة حوادث الزمان: الفهم الصحيح لعقيدة القضاء والقدر، والفهم الصحيح لمقتضى أسماء الله (عز وجل) الحسنى وصفاته العلا، والتوازن في هذا الفهم بين الغلو والجفاء، وهذا (والحمد لله) هو سمة معتقد أهل السنة والجماعة في جميع أبواب العقيدة، ومن ذلك: عقيدة القضاء والقدر، وتوحيد الأسماء والصفات. ولقد انحرف عن هذه القواعد طرفان من الناس: فمنهم من أنكر الاستدلال بالقضاء والقدر على حوادث الزمان، وتنقص المؤمنين به، ومنهم من فهم القضاء والقدر على أنه تواكل وخمول وخنوع مُذل، وكلا الموقفين منحرف ومجانب للصواب؛ فالإيمان بقضاء الله (عز وجل) وبعلمه وتقديره للأمور قبل وقوعها، ثم مشيئته، وخلقه لها، وأن له الحكمة البالغة في كل ما يقضيه ويقدره، وأن من وراء ذلك رحمته، وإرادة الخير واليسر لعباده..
كل ذلك مما يجب الإيمان به في باب القضاء والقدر، كما أنه مقتضى الإيمان بأسمائه (سبحانه) وصفاته، ولكن هذا الإيمان بهذه القواعد والحقائق لا يعني ترك الأسباب، والرضا بالذلة والهوان وانتشار الفساد، كلا، بل إن الفهم الصحيح للقضاء والقدر يكمن في التوازن بين الاستسلام المطلق