لقدر الله، والعمل بكل ما في الوسع والوقوف المطمئن عند حد الاستطاعة؛ وهذا يعني فعل الأسباب التي سخرها الله (سبحانه) ، ومدافعة أقدار الله (عز وجل) بأقداره، ما دام أن هناك إمكانًا للمدافعة؛ قال (تعالى) : (( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ ) ) [البقرة: 251] فإذا لم تُجدِ المدافعة، أو لم يكن ذلك في الإمكان: فالواجب: الصبر والاستسلام لقضاء الله (عز وجل) ، واليقين بأن من وراء ذلك خيرًا ومصلحة ورحمة، يجب أن يتجه الجهد إلى التماسها، وتسخيرها في مزيد من الخير والإصلاح، وتغيير الأحوال، ومحاسبة النفوس، وإزالة أسباب المصيبة، وبذل الجهد في دفعها؛ قال (تعالى) : (( إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) ) [الرعد: 11] .
ويوضح هذا المعنى الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) فيقول:
(ودفع القدر بالقدر نوعان:
أحدهما: دفع القدر الذي قد انعقدت أسبابه ـ ولمّا يقع ـ بأسباب أخرى من القدر تقابله، فيمتنع وقوعه، كدفع العدو بقتاله، ودفع الحر والبرد ونحوه.
الثاني: دفع القدر الذي قد وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدر المرض بقدر التداوي، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان، فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلام لها، وترك الحركة والحيلة؛ فإنه عجز، والله (تعالى) يلوم على العجز. فإذا غُلب العبد، وضاقت به الحيل، ولم يبق مجال؛ فهنالك الاستسلام للقدر، والانطراح كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف يشاء) (5) .
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا.. الحديث) (6) ، ويشرح الإمام النووي الحديث، فيقول: (والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله(تعالى) ، وأرغب في الصلاة، والصوم، والأذكار، وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظة عليها ونحو ذلك.. وقوله-صلى الله عليه وسلم- (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) معناه: احرص على طاعة الله (تعالى) ، والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من الله (تعالى) على ذلك، ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة، ولا عن طلب الإعانة) (7) .
ويتحدث الإمام ابن القيم (رحمه الله تعالى) عن الفرق بين العجز والتوكل، فيقول: