فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 780

ولكن المشكلة أننا جميعًا حين نعمل نقدم ما نراه نحن، ونزن الأعمال بموازيننا الضعيفة الهزيلة الدنيوية الأرضية. وإني هنا أريد أن أنقلك أخي القارئ إلى ميزان غير ميزاني وميزانك... فلنبحر في رحلتنا لعلنا نصل... لشاطئ الأمان.

كم مرة يقال لي ويقال لك: ألق كلمة، أو وجِّهْ إنسانًا، أو انصح، أو وزِّع شريطًا، أو ادعم مشروعًا، أو قدِّم خيرًا.. فنعرض احتقارًا.. إما لأنفسنا أو للمشروع أو لما معنا من علم أو للشخص المدعو أو نحو ذلك.. ولكن اقرأ معي هذه النصوص، وتأملها جيدًا، وأطِلِ التأمل لتعرف شأن العمل الحقير في أنظارنا:

_ قال ـ تعالى ـ: {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] ، أي وزن نملة وهي أصغر ما يكون من النمل. وقال بعضٌ إن الذرة هو أن يضرب الرجل بيده على الأرض وما علق من تراب فهو الذرة، وقيل الذرة ما يُرى في شعاع الشمس من الهباء (1) .

_ عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (2) .

قال النووي ـ رحمه الله ـ في شرحه لهذا الحديث: وفيه الحث على فضل المعروف وما تيسر منه وإن قلّ حتى طلاقة الوجه عند اللقاء (3) .

_ عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «سبق درهم مئة ألف» فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «رجل له مال كثير أخذ من عَرَضه مئة ألف، فتصدق بها، ورجل ليس له إلا درهمان، فأخذ أحدهما فتصدق به» (4) .

فَشمِّر عن ساعد الجِد، وبادر بالأعمال الصالحة ولو استصغرتها في نفسك.

3 -النتائج ليست في يديك فلا تحقِّر عملًا قط .. كلمةً.. أو دينارًا... أو حتى بسمة:

أتعلم أن كلمة منك قد تراها عابرة لأي إنسان لا تلتفت أنت لها، وقد تحتقرها، وتقول في نفسك: هل أقولها أم لا؟ وهل سيستفيد منها المدعو أم لا؟ وهذا المبلغ القليل الحقير هل سيؤثر لقلته وحقارته؟ وهل سيستفيد منه المحتاج أم لا؟ قد يكون له من الأثر ما لا يخطر لك على بال. ثم نحن عادة ما نجيب أنفسنا وبدون كثير عناء بكلمة «لا» في مثل هذه المواقف المتكررة في اليوم والليلة عشرات المرات.

ولكن أتدري أن كلمة مني وكلمة منك وكلمة من أخ ثالث لها أثر على رفع المنكر وإثبات المعروف؟ ثم افرض أن المنكر لم يرتفع، أو المعروف لم يثبت؛ فهل ذهب عملك سدى؟ وهل ضاع جهدك أدراج الرياح؟

وعلى مدار التاريخ الإسلامي هناك عدد من العلماء كانت هدايتهم بسبب كلمة، وخذ على سبيل المثال لا الحصر «زاذان» ـ رحمه الله ـ فقد روى عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه مر ذات يوم في موضع من نواحي الكوفة فإذا فتيان فُسّاق قد اجتمعوا يشربون وفيهم مغن يقال له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت