إلى الله لا تحقر من تدعو مهما كان.... انظر وتأمل معي.. ألم تسمع بالبخاري ـ رحمه الله ـ الذي يعد كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله أنه ليس بعربي، وغيره الكثير من علماء الأمة الجهابذة الكبار من مثل الإمام مسلم والترمذي، بل وعالم اللغة الأول سيبويه، بل إنك لتعجب حين تعلم عن كثير من علماء السلف ـ رحمهم الله ـ وممن علا كعبهم في العلم والدين أنهم كانوا موالي (أي أنهم كانوا أرقَّاء ثم أُعتقوا) ولو تسمع بأسماء بعضهم لتعجبت؛ لكن ما بلغوا ما بلغوه إلا بالدين والعلم من مثل (الحسن البصري، والليث بن سعد، وابن سيرين، وابن المبارك، وعكرمة..) وغيرهم كثير، رحمهم الله. انظر صفة الصفوة لابن الجوزي، رحمه الله. ثم إن كثيرًا مما نقوم به في اليوم والليلة من صلاة وصيام وصدقة بل تفاصيل الدين نقله أمثال هؤلاء العلماء الذين عزوا بالدين لا بغيره؛ فهل بعد هذا نحقر مسلمًا؟ فتأمل قوله - صلى الله عليه وسلم: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» (1) .
نعم! ليست نظرتنا هي المقياس، بل يكفي أن نبذل الوسع في الدعوة مع جميع المسلمين، وعدم القياس بقياسنا، بل نعطي وندعو ونترك الهداية بيد الله، عز وجل. وهذا نبينا محمد ِ- صلى الله عليه وسلم - يعلمنا أن لا نُخدع بالمظاهر ولا نزن الناس بموازيننا؛ فعن سهل ـ رضي الله عنه ـ قال: «مر رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما تقولون في هذا قالوا: حري إن خَطب أن يُنكح وإن شَفع أن يُشفّع وإن قال أن يُستمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حَرِيٌّ إن خَطب أن لا يُنكح، وإن شَفع أن لا يُشفّع، وإن قال أن لا يُستمع. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا» (2) .
ثم من أنا وأنت في مقابل أنبياء الله ورسله ـ عليهم السلام ـ وهم يدعون الناس بكل إخلاص وتفانٍ؟! ولكن الهداية ليست على الجهد المبذول فقط؛ بل هناك توفيق الله وهدايته للمدعو؛ ألم تقرأ هذا الحديث:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَلَ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الْقَوْمُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ..» (3) .
وكذلك أيضًا هل هذا الرجل سينفع الأمة، أم هو لن ينفعها؟
فهذا نعيم بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ لما أسلم ولم يعلم قومه به، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إني أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمُرني بما شئت! فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنما أنت رجل واحد، فخذِّل عنّا إن استطعت» فالحرب خدعة. فلم يحقره النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل أمره بالشيء الذي يناسبه؛ ومن ثم انطلق هذا الشخص الواحد؛ فماذا صنع بقريش ومن معها من اليهود وغطفان؟ صنع بهم العجائب من تشكيك بعضهم في نوايا بعضهم الآخر، فتفرقت الجموع بفضل الله (4) ، ثم بجهد هذا الصحابي الواحد، رضي الله