وأمر بفعل الأسباب التي تعين العبد على اجتناب المنهي عنه، وهذا منه. الثاني: الأمر ـ بعد الغضب ـ أن لا ينفذ غضبه: فإن الغضب غالبًا لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده، ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه. فعليه إذا غضب أن يمنع نفسه من الأقوال والأفعال المحرمة التي يقتضيها الغضب. فمتى منع نفسه من فعل آثار الغضب الضارة، فكأنه في الحقيقة لم يغضب. وبهذا يكون العبد كامل القوة العقلية، والقوة القلبية» ا. هـ (5) .
قال ميمون بن مهران: جاء رجل إلى سلمان ـ رضي الله عنه ـ فقال: يا أبا عبد الله! أوصني! قال: «لا تغضب!» . قال: أمرتني أن لا أغضب، وإنه ليغشاني ما لا أملك. قال: فإن غضبت فاملك لسانك ويدك (6) .
ثامنًا: النظر في نتائج الغضب:
فكثير الغضب تجده مصابًا بأمراض كثيرة كالسكري والضغط والقولون العصبي وغيرها مما يعرفها أهل الاختصاص، كما أنه بسببه تصدر من الغاضب تصرفات قولية أو فعلية يندم عليها بعد ذهاب الغضب. روي عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم» (7) . وقيل: من أطاع الغضب أضاع الأرب.
وقال الكريزي:
ولم أرَ في الأعداء حين اختبرتهم
عدوًا لعقل المرء أعدى من الغضب (8)
وكثيرًا ما نسمع أن والدًا قتل ولده، أو ولدًا قتل والده فضلًا عن غيرهم بسبب الغضب، وكم ضاع من خير وأجر وفضل بسبب الغضب، وكم حلت من مصيبة ودمار وهلاك بسبب الغضب، وبسبب ساعة غضب قطعت الأرحام، ووقع الطلاق، وتهاجر الجيران، وتعادى الإخوان. عن وائل ـ رضي الله عنه ـ قال: «إني لقاعد مع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله! هذا قتل أخي. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: «أقتلته» ؟ فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة. قال: نعم قتلته! قال: «كيف قتلته» ؟ قال: كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته» (9) .
قال مروان بن الحكم في وصيته لابنه عبد العزيز: «إن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة؛ فإن أول من جعل السجن كان حليمًا ذا أناة» ا. هـ (1) .
قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح، أَوْثِقْ غضبك بسلسلة الحلم؛ فإنه كلب إن أفلت أتلف» ا. هـ (2) .
تاسعًا: أن تعلم أن القوة في كظم الغيظ ورده: