أترى أن تلك التوجيهات لو تلقاها أصحابها وهم جالسون قاعدون في بيوتهم ستترك أثرها؟ إن مثل هذه التربية هي التي خرّجت الجيل الجاد العملي، الذي لم يتربّ على مجرد التوجيه الجاف البارد، إنما كان يعيش العلم والعمل معًا.
5-الاختيار والاصطفاء:
إن التربية كما أنها موجهة لكل أفراد الأمة أجمع مهما كان شأنهم، والدين خطاب للجميع صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً.
إلا أن الدعوة تحتاج لمن يحملها ولمن يقوم بأعبائها، إنها تحتاج لفئة خاصة تُختار بعناية وتُربى بعناية.
لذا كان هذا الأمر بارزًا في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتربيته لأصحابه؛ فثمة مواقف عدة في السيرة يتكرر فيها ذكر كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى رأسهم أبو بكر وعمر؛ مما يوحي أن هؤلاء كانوا يتلقون إعدادًا وتربية أخص من غيرهم.
عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره؛ إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر) فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما؛ فالتفتّ فإذا هو علي بن أبي طالب (10) .
ومنها قصة أبي هريرة حين كان بواب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاستأذن أبو بكر، فقال: (ائذن له وبشره بالجنة) ، ثم استأذن عمر، ثم عثمان... (11) .
وما رواه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ حدثهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صعد أُحُدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: (اثبت أُحُد؛ فإنما عليك نبي -صلى الله عليه وسلم-، وصدِّيق، وشهيدان) (12) .
ومثله ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اهدأ؛ فما عليك إلا نبي، أو صدِّيق، أو شهيد) (13) .
ويحكي لنا أحد أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- عن توجيه خاص بهم، حين بايعهم على أمر لم يعتد أن يبايع عليه سائر الناس.
عن عوف بن مالك الأشجعي ـ رضي الله عنه ـ قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسعة، أو ثمانية، أو سبعة، فقال: (ألا تبايعون رسول الله؟) وكنا حديثي عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: (ألا تبايعون رسول الله؟) فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: (ألا تبايعون رسول الله؟) قال: فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله؛ فعلامَ