نبايعك؟ قال: (على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا، ـ وأسرّ كلمة خفية ـ ولا تسألوا الناس شيئًا) فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم؛ فما يسأل أحدًا يناوله إياه (14) .
وهذا الأمر لم يكن عامًا لأصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ، بل خاصًا بهؤلاء، فقد كان بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألونه ويعطيهم، ولم يكن يمنعهم أو ينهاهم عن السؤال.
ومن ذلك أنه كان لا يأذن بالسؤال لخاصة أصحابه كما يأذن لغيرهم، كما روى نواس بن سمعان ـ رضي الله عنه ـ قال أقمت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء، قال: فسألته عن البر والإثم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) (15) .
6-التدرج:
إن الجوانب التي تتطلب التربية والإصلاح في النفس البشرية من الاتساع والتعدد والتنوع ما يجعل تحصيلها في وقت وجهد أمر عسير ومتعذر.
لذا فإن التدرج كان معلمًا مهمًا من معالم التربية النبوية، فخوطب الناس ابتداء بالاعتقاد والتوحيد، ثم أمروا بالفرائض، ثم سائر الأوامر.
وفي الجهاد أمروا بكف اليد، ثم بقتال من قاتلهم، ثم بقتال من يلونهم من الكفار، ثم بقتال الناس كافة. ومثل ذلك التدرج في تحريم الخمر، وإباحة نكاح المتعة ثم تحريمها، وهكذا. لكن يبقى جانب مهم مع الإيمان بمبدأ التدرج، ألا وهو أن ما نص الشرع على تحريمه لا يجوز أن نبيحه للناس، وما نص على وجوبه لا يجوز أن نسقطه عن الناس.
7-تربية القادة لا العبيد:
ثمة سؤال يفرض نفسه ويقفز إلى أذهاننا: هل نحن نعنى بتعليم الناس وتهيئتهم ليكونوا أهل علم يستنبطون، ويبدعون ويبتكرون؟ أم أننا نربيهم على تلقي أقوال أساتذتهم بالتسليم دون مراجعة، وربما دون فهم لمضمون القول؟
هل نرى أن من أهدافنا في التعليم أن نربي ملكة التفكير والإبداع لدى طلابنا، وأن نعوِّدهم على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، وعلى الجمع بين ما يبدو متعارضًا؟
وهل من أهدافنا تربيتهم على تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع التي يرونها؟
إن المتأمل في واقع التعليم الذي نقدمه لأبنائنا ليلحظ أننا كثيرًا ما نستطرد في السرد العلمي المجرد، ونشعر بارتياح أكثر حين نقدم للطالب كمًا هائلًا من المعلومات، وهو الآخر ـ لِمَا غرسنا لديه ـ