فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 780

ربك الرحيم، واسأله معونته وتسديده، وأن لا يكلك إلى نفسك؛ فإن الدين نصفه استعانة (1) ، وإذا لم يكن عون من الله ـ تعالى ـ للفتى أتته الرزايا من وجوه الفوائد، وكان أول ما يجني عليه اجتهاده.

? ثانيًا: مجاهدة النفس:

جُبِلت النفس البشرية على الميل إلى اللذَّات الحسية، والانجذاب إلى الجهة السفلية؛ فتنةً من الله ـ تعالى ـ واختبارًا لها. يقول ابن الجوزي: (النفس مجبولة على حب الهوى... فافتقرت لذلك إلى المجاهدة والمخالفة، ومتى لم تزجر عن الهوى، هجم عليها الفكر في طلب ما شُغفت به، فاستأنست بالآراء الفاسدة والأطماع الكاذبة والأماني العجيبة، خصوصًا إن ساعد الشباب الذي هو شعبة من الجنون، وامتد ساعد القدرة إلى نيل المطلوب) (2) . ولخطورة هذا الأمر خاف علينا النبي الرحيم -صلى الله عليه وسلم - من اتباعنا الهوى؛ فعن أبي برزة الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى» (3)

فلا بد لمريد النجاة من صرف نفسه إلى ما يريده الله ـ تعالى ـ ورسوله -صلى الله عليه وسلم - ، وبذله الوسع في قهر الشهوة والهوى ومخالفة داعيهما الذي يحول بين النفس وبين أداء الطاعة على وجهها (4) ؛ إذ (اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات) (5) .

وأصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات وحملها على غير ما تهوى. وللنفس صفتان: انهماك في الشهوات وامتناع عن الطاعات، ومجاهدتها تقع بحسب ذلك (6) . وأقوى مُعين (على جهاد النفس جهاد الشيطان بدفع ما يلقي إليه من الشبهة والشك، ثم تحسين ما نُهِي عنه من المحرمات، ثم ما يفضي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات، وتمام المجاهدة أن يكون متيقظًا لنفسه في جميع أحواله؛ فإنه متى غفل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات، وبالله التوفيق) (7) .

والمجاهدة أمر رفيع القدر، عالي المنزلة يحتاج إلى صبر ورباطة جأش، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم -: «المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل» (8) . يقول ابن عبد البر: (مجاهدة النفس في صرفها عن هواها أشد محاولة وأصعب مرامًا وأفضل من مجاهدة العدو) (9) ، ويقول ابن بطال: (جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل، قال الله ـ تعالى ـ: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى....} [النازعات: 40] الآيات) (10) .

وأخبار القوم في مداواة نفوسهم ومعالجة أدوائها أكثر من أن تروى. يقول الثوري: (ما عالجت شيئًًا أشد عليَّ من نفسي، مرة لي ومرة عليَّ) (11) ، وقال: (ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيتي؛ لأنها تتغلب عليَّ) (12) . ويقول يونس بن عبيد: (ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من الورع) (12) ، ويقول ابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت