فهرس الكتاب

الصفحة 645 من 780

أبي زكريا: (عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قلَّ أن أقدر منه على ما أريد) (14) ، ويقول أبو يزيد: (عالجت كل شيء فما عالجت أصعب من معالجة نفسي، وما شيء أهون عليَّ منها) (15) ، ومرة قال: (عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئًا أشد عليَّ من العلم ومتابعته) (16) .

فالنفس عدو منازع يجب على المرء مجاهدتها، وحين يفلح المرء في ذلك فإن إتيان الطاعات يتحول إلى نعيم ولذة، وعندها لا يجد المرء في القيام بها كلفة ومشقة، كما قال ثابت البناني: (كابدت القرآن عشرين سنة، ثم تنعمت به عشرين سنة) (17) ، وكما قال بعض العُبَّاد: (عالجت قيام الليل سنة وتنعمت به عشرين سنة) (18) ، فالأُنس واللذة يحصلان من المداومة على المكابدة مدة طويلة.

وليس المراد بمجاهدة النفس منعها مما يُقيمها، ومخالفتها على الإطلاق؛ فإن ذلك يُفسِد حالها فيعميها ويشتت عزمها ويؤذيها أكثر مما ينفعها، بل المراد تقوية العقل على الطبع حتى يسلم المرء ولا يهلك. يقول ابن الجوزي في بيان جميل:(أعجب الأشياء مجاهدة النفس؛ لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة؛ فإن أقوامًا أطلقوها فيما تحب فأوقعتهم فيما كرهوا، وإن أقوامًا بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها وظلموها، وأثَّر ظلمهم لها في تعبداتهم؛ فمنهم من أساء غذاءها، فأثر ذلك في ضعف بدنها عن إقامة واجبها، ومنهم من أفردها في خلوة أثمرت الوحشة من الناس، وآلت إلى ترك فرض أو فضل من عيادة مريض أو بر والدة.

وإنما الحازم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ الأصول؛ فإذا فسح لها في مباح لم تتجاسر أن تتعداه، فيكون معها كالملك إذا مازح بعض جنده؛ فإنه لا ينبسط إليه الغلام؛ فإن انبسط ذكر هيبة المملكة، فكذلك المحقق: يعطيها حظها، ويستوفي منها ما عليها) (1) .

ومما يعين على مجاهدة النفس إفهامها عاقبة الانغماس في الشهوات. قال قتادة: (إن الرجل إذا كان كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى؛ فقد اتخذ إلهه هواه) (2) ، وقال بعض الحكماء: (من استولت عليه النفس صار أسيرًا في حب شهواتها محصورًا، في سجن هواها مقهورًا مغلولًا، زمامه في يدها، تجره حيث شاءت، فتمنع قلبه من الفوائد) (3) ، وقال يحيى بن معاذ: (من أرضى الجوارح في اللَّذَّات فقد غرس لنفسه شجر الندامات) (4) ، وقال بشر الحافي: (من أحب الدنيا فليتهيأ للذل) (5) .

فيا مجتهدًا في تحصيل نعيم المولى! اجعل أعمال الآخرة في حياتك هي الأوْلى وجاهد نفسك وفق الشرع، وإياك أن تهمل قيادتها وتفلت لجامها فتسوقك - إن لم يَجُد المولى - إلى نار تلظى.

? ثالثًا: استحضار ثواب القربات:

جبل الله نفوس عباده على حب الثواب والسعي لنيله، ومهابة العقاب والحذر منه؛ ولذا فإن استحضار الثواب والعقاب من آكد دواعي لزوم الطاعة والاجتهاد في عمل الآخرة، ومن أعظم الزواجر عن اقتراف المعصية، والانغماس في بحور اللذة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت