ولا يُعبَر إليها إلا على جسر من التعب، وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرَك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا همَّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلًا استراح طويلًا، وإذا تحمَّل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله، وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلى كان تعب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل) (4) ، ومن شواهد كلامه النفيس هذا، قوله -صلى الله عليه وسلم -: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيُصبغ في النار صبغة، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قَطُّ؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا، والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيُصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا رب! ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» (5) .
فمتى رغَّب العبد نفسه بثمار التعبد، ورهَّبها من عاقبة الانغماس في الشهوات طاوعته في الإعراض عن الدنيا، بل وتلذذت بمشاق العمل الصالح والإقبال على الله تعالى، فـ: (الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، فلا يقود إلى قرب الرحمن وروح الجنان ـ مع كونه بعيد الأرجاء، ثقيل الأعباء، محفوفًا بمكاره القلوب ومشاق الجوارح والأعضاء - إلا أَزِمَّة الرجاء، ولا يصد عن نار الجحيم والعذاب الأليم - مع كونه محفوفًا بلطائف الشهوات، وعجائب اللذات - إلا سياط التخويف وسطوات التعنيف) (6) .
فعلى العبد متى أراد إتيان طاعة أن يستحضر الثواب المترتب عليها والعقاب الذي يناله تاركها؛ ليكون ذلك معوانًا له في مغالبته لنفسه وقهره لها.
? رابعًا: قصر الأمل:
ترقُّب الموت وتصوُّر أهواله والعلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء حياة المرء من أنفع الأمور للقلب وأعظم معينات التعبُّد؛ فهو يعلي الهمة، ويزهِّد في الدنيا، ويبعث على الجد في العمل، ويحث على اغتنام الوقت، وانتهاز الفرص.
ولذا جاءت النصوص حافلة به ومنبهة عليه، ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] ، وقوله ـ سبحانه ـ: {قُلْ إنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 8] ، وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «أكثِروا ذكر هاذم اللذات؛ فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وسعه عليه، ولا ذكره وهو في سعة إلا ضيقه عليه» (7) . وعن بريدة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكِّر الآخرة» (8) .