أما الآثار فقد امتلأت بالتذكير به والحث عليه؛ فعن مطرِّف ابن عبد الله قال: (القبر منزل بين الدنيا والآخرة؛ فمن نزله بزاد ارتحل به إلى الآخرة، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًا فشر) (9) ، وقال الأوزاعي: (من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير) (10) ، وقال مالك بن مِغْوَل: (من قصر أمله هان عليه عيشه) (11) ، وقال الداراني: (ينبغي للعبد المعني بنفسه أن يميت العاجلة الزائلة المتعقبة بالآفات من قلبه بذكر الموت وما وراء الموت من الأهوال والحساب ووقوفه بين يدي الجبار) (12) ، وقال النضر بن المنذر: (زوروا الآخرة بقلوبكم، وشاهدوا الموقف بتوهمكم، وتوسدوا القبور بقلوبكم، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة، فاختار لنفسه ما أحب من المنافع والضرر) (13) .
ولما كان الغالب على عامة الخلق طول الأمل ورجاء البقاء في هذه الدنيا، ونسيان أنها دار سفر وموطن امتحان، والغفلة عن الغاية العظمى من الخلق، وإهمال التوبة وعمل الآخرة، جاءت النصوص محذرة من هذا الوضع، ومنبهة إلى خطورة استمرار المرء في السير في طريق الهلكة، ومن ذلك قوله ـ تعالى ـ: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3] ، وحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: «سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول: لا يزال قلب الكبير شابًا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل» (1) .
ومن أقوال أهل العلم الواردة في هذا الباب قول أبي الحسن علي ـ رضي الله عنه ـ: (إن أخوف ما أتخوف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى؛ فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق) (2) ، وعن الحسن قال: (ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل) (3) ، وقال الفضيل: (إن من الشقاء طول الأمل، وإن من النعيم قصر الأمل) (4) ، وقال بعض الحكماء: (الجاهل يعتمد على الأمل، والعاقل يعتمد على العمل) (5) ، وقال ابن القيم: (مفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل) (6) .
فطول الأمل من تزيين الشيطان وسلطانه على قلوب الغافلين (7) ؛ فلا آفة أعظم منه، بل لولاه ما وقع إهمال أصلًا، وإنما تفتر الهمم، ويسود العجز والكسل، ويقدم العبد على المعاصي، ويبادر إلى الشهوات، ويغفل عن الإنابة لطول أمله؛ فإنَّ الاستعداد نتيجة قرب الانتظار؛ فمن له أَخَوان غائبان وينتظر قدوم أحدهما في غد، وقدوم الآخر بعد عام فإنه لا يستعد للذي يقدم بعد عام وإنما للذي يأتي غدًا؛ فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة مثلًا، اشتغل قلبه بالمدة ونسي ما وراء المدة، وذلك يمنعه من مبادرة العمل؛ لأنه يرى نفسه في متسع من الزمن، فيؤخر العمل (8) ، ولله در القائل: (إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجَلي أقل من ذلك) (9) .
فيا ناصحًا لنفسه أَقْصِرِ الأملَ! واستعد للحساب قبل حلول الأجل؛ فإن (ما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أمانٍ، والوقت ضائع بينهما) (10) ؛ فإن لم تستطع ذلك فاعمل عمل قصير الأمل؛ فإن سعادتك في ذلك، ودع عنك التسويف؛ فإنه من أعوان إبليس (11) . يقول الحسن: (إياك