فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 780

فإذا كانت نهاية حوار هذا العالم مع نفسه أن يسأل توبة خالصة ونهضة صادقة ، فما أحرى من هو دونه علمًا وعملًا أن يسأل ذلك.

ونؤكد أن المسلم إذا طالت صحبته لسِيَر السلف استوحش من أهل زمانه وأنكر أسلوب حياتهم ، وتعلق بالآفاق العالية التي حلق فيها أولئك الرجال العظماء النبغاء الموهوبون ، فهو في كل ساعة مشغول بمنافستهم ومزاحمتهم ، وكلما حل بمنزلة من منازل السير: تراءت له أخرى أعلى ، وكلما دهمه كسل أو فتور: تذكر أنه في حلبة سباق ، وأي تهاون أو تباطؤ سيلقي به في مؤخرة المتنافسين ، ويزيده تشجيعًا: أن الاجتماع بهؤلاء السلف الصالح هو السير على نهجهم والتخلق بأخلاقهم.

إن الاقتباس من السِّيَر الناجحة والتجارب الموفقة في تطبيق الإسلام يحدث توبة متجددة في حياة المسلم ، ويصحح من أوضاعه باستمرار.

الحافز الثامن: حقارة الإنسان بلا إيمان:

إن مما يزكي خطوات المسلم في طريق التوبة: علمه أن الإنسان بلا إيمان كائن تافه حقير ، بل هو لا شيء ، يولد ويحيا ويموت كما ولد ومات الملايين من أمثاله.

ها هو الليل والنهار قد صحبا قوم نوح وعاد وثمود وقرونًا بين ذلك كثيرًا ، فقرب بهما البعيد ، وبلي بهما الجديد ، وتحقق بهما الموعود ، ولا زالا يسيران في الباقين سيرتهما في السابقين ، أفيكون من التبصر والتعقل تعرض الإنسان الضعيف الفقير لهلاك الأبد ـ إذا أصر على الكفر أو المعصية ، وأنفق أيام عمره فيما يغضب الله ويسخطه عليه ـ؟.

أيكون من التعقل أن يعرف الإنسان طريق الأمان ويظل شاردًا عنه ، والله (سبحانه) يفرح بتوبته ـ إذا تاب ـ كما يفرح المسافر الذي أضل راحلته حتى أوشك الهلاك جوعًا وعطشًا، فوجدها وعليها طعامه وشرابه؟.

كثير من الناس تتضخم عندهم ذواتهم ، وتتحول إلى معبود يعبدونه من دون الله ، فيظن أنه ذو شأن كبير بما عنده من أموال، أو ما يحمله من ألقاب ، أو ما عنده من خدم وحشم وولد، وتخدعه الأعراض الزائلة، فيغفل عن البداية والنهاية، أو الميلاد والممات ، وينسى أن ما أدركه من مال وجاه عَرَض حاضر، وعن قريب يزول، قال (تعالى) : (( وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ(1) الَّذِي جَمََعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الحُطَمَةِ )) [الهمزة: 1 4] ، فمالُه لا يُخلده ، بل مثله مثل سائر الناس يموت بأجَله؛ فيترك المال وراء ظهره ، ويقدم على ربه وحده.

تضخم الذات وتحولها إلى محور لاهتمامات الشخص ، واغتراره بالمكانة والجاه في بلده وقومه: موانع تحول دون الإنسان والتوبة ، ولكنه متى علم أنه بلا إيمان كائن حقير ، وأنه يموت فيرجع إلى ربه: طلب المكانة اللائقة به ، بصفته مخلوقًا كريمًا على الله الذي خلق كل شيء من أجله وخلقه لعبادته.

الحافز التاسع: العلاقة بين الإنسان والكون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت