إن الإسلام ليس دين الإنسان فحسب ، بل هو دين الكون كله ، فالسماوات والأرض وما فيهما خاضع لكلمة الله الواحدة ، وكل ما فيهما من كائنات علوية وسفلية مسلم لله عابد له بالكيفية التي تناسبه.
وأي مخالفة ـ مهما كانت هينة ـ تمثل شذوذًا عن كوْنٍ مسلم خاضع لربه مطيع لخالقه.
هذا الكون إبداع الخلاق العليم ، والإنسان جزء منه ، فالقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن الناموس الذي يحكم الوجود كله ، والله الذي خلق هذا الكون وخلق الإنسان ، هو الذي سن للإنسان شريعة تنظم حياته تنظيمًا متناسقًا مع طبيعته ، فأي خروج عنها يعني التصادم مع الفطرة والكون.
وإذا كان الحفاظ على هذا الانسجام بين الفطرة والكون مطلبًا عزيزًا؛ لكثرة أخطاء الإنسان وذنوبه: فإن الله (عز وجل) فتح باب التوبة ، يدخله العبد كل وقت ، فيجدد عهود الخلافة ويصحح ما كان قد انتقض منها ، وفي بعض الآثار: أن الإنسان إذا أذنب الذنب تستأذن المخلوقات في إهلاكه ، فيقال لها: لعله يتوب ، لعله يتوب.
إن الإحساس بالرابطة التي تربطنا بالكون ـ وهي رابطة العبودية لله ـ هو الذي يدفع إلى الالتزام الصارم بأوامر الشريعة؛ لأنها توفق بين نظام الكون ونظام الفطرة ، وتكون التوبة التي تعقب الذنوب أو تجدد الطاعات بمثابة المصالحة التي تعقب الخصام ، أو القرب الذي يقرب التباعد والهجران.
الإنسان المسرف على نفسه مثل النغمة النشاز التي تشذ عن أنشودة الكَوْن ، أو هي المتسابق الذي يسير في عكس اتجاه الكوكبة ، أو هو المصلي الذي يصلي في اتجاه مقابل للقبلة مخالفًا لباقي المصلين.
فلو تذكر الإنسان أنه ليس وحده في هذا الكون ، ولو التفت يمينًا وشمالًا ، ورفع بصره وخفضه ، ورأى آيات الله في الآفاق والأنفس ، لرأى مخلوقات مقبلة على شأنها ، قائمة بحق ربها ، فيقبل مثلها على شأنه وينظر في أمر ربه فيلزمه ، عند ذلك يشعر بالأُنس ، وتزول عنه الغربة التي يشعر بها غيره، فكيف إذا ترقى من الشعور بالأُنْس مع المخلوقات إلى الأنس بالخالق، فيأنس إلى ربه عندما يشعر أن الله (تعالى) معه، يشهده وينظر إليه، وأن الله (تعالى) معه ، يحفظه ويرعاه، وهذه هي جنة الدنيا التي من دخلها دخل جنة الآخرة ـ بإذن الله ـ.
والآن: وبعد أن استعرضنا هذه الحوافز: لا بد أن نؤكد في الأخير أن تجديد الإسلام في حياة المسلم مشروع كبير ، وحتى ينجح أي مشروع لا بد أن يمر بثلاث مراحل: الأولى: التفكير والتنظير ، والثانية: التخطيط والبرمجة ، والثالثة: التنفيذ والمحاسبة.
فالتوبة التي تصحح سير المسلم إلى ربه مشروع ما بعد الهداية ، فليضع له المسلم ما يحتاج إليه من أهداف وبرامج ، وهذا الشق العملي لا يُقَال ، بل يمارس ويطبق.
نسأل الله (تعالى) أن يرزقنا الإخلاص في القصد ، ويلهمنا الصواب في العمل.