إن المربي ينبغي أن يحرص على إصلاح القلوب ومخاطبة الباطن والدعوة لتنقية السرائر، لكنه بعد ذلك يبقى يتعامل مع الظاهر لا مع السرائر.
ثالثًا: التهاون بحجة مسائل الاجتهاد:
ثمة قضايا كثيرة ضمن الوسائل الدعوية والتربوية اختلف فيها أهل العلم حلاّ وحرمة، ولكل منهم مأخذه ودليله، فهي دائرة ضمن مسائل الاجتهاد.
والأمر في مسائل الاجتهاد واسع، ولا يسوغ في ذلك الإنكار والإغلاط والتهارج، لكن ذلك قد يشعر بعض المربين أن هذه المسائل ما دامت ضمن مسائل الاجتهاد فالأمر فيها مفتوح على مصراعيه دون ضوابط، فيسلك فيها ما يتناسب معه دون أي اعتبار لأمر آخر.
ولا شك أن كون المسألة من مسائل الاجتهاد لا يسوغ أن يتبع فيها المرء ما يحلو له، بل لابد أن يتحرى ويجتهد في اتباع ما يؤدي إليه الدليل الشرعي ـ وليس هذا مقام بسط هذه المسألة ـ.
رابعًا: إهمال الورع الشرعي الواجب:
ومن صور ذلك:
ـ التوسع في الوقوع في الأعراض، فقد تدعو طبيعة العمل التربوي إلى الحديث عن قضايا خاصة للمتربين وانتقادهم،وقد يتحدث بعض الأساتذة عن طالب معين بما يكرهه،والأصل في ذلك كله هو المنع والتحريم إذ هو داخل تحت النصوص التي تحرم الغيبة وتشدد فيها، بل تجعل حرمة أعراض المسلمين كحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام إلا ما كان له حاجة ومصلحة شرعية واضحة.
ـ ومن أخطر هذه الأبواب ما يتعلق بقضايا الأعراض، إذ قد يصارح تلميذ أستاذه ومربيه بمشكلة تتعلق بهذا الباب فيتجرأ هذا المربي على الحديث عنها لغيره بما لا ضرورة له، ولا يسوغ أن تكون المحاضن التربوية ميدانًا تلاك فيه الأعراض، وتنتهك فيه الحرمات.
وبعد:
ونحن إذ نتحدث عن مثل هذه الأخطاء والتجاوزات فيجب أن نعتدل ونتوسط، فلا يسوغ أن تكون مجالًا للتندر وانتقاص العاملين لله، أو أن تحول إلى معول هدم للصروح التربوية وسعي إلى القضاء عليها بحجة الانضباط الشرعي.
وندرك أيضًا أن الكثير ممن يقع في مثل هذه التجاوزات إنما أُتي من باب الغفلة والذهول عن مراعاتها، لا من قبل رقة الدين، بل أكثرهم خير وأتقى لله من كثيرين منا.
كما ندرك أيضًا المنجزات الرائعة التي قدمها هؤلاء المربون، نسأل الله أ ن يجعل ذلك في موازين حسناتهم، وأن يبارك في جهودهم، ويكلل أعمالهم بالتأييد والنجاح والتوفيق.
الهوامش:
1-البخاري، كتاب التعبير، باب من كذب في حلمه، انظر البخاري مع الفتح: جـ12، ص446.