فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 780

والشريعة باب واحد لا يمكن أن تتناقض أو تضطرب، والقواعد العامة للشرع إنما تفهم في إطار سائر النصوص، وتسليط الأفهام البشرية عليها يؤدي إلى فوضى واستهانة بحدود الله.

ومن أهم هذه القواعد مراعاة المصلحة، إذ كثيرٌ من المخالفات العظام في الساحة الإسلامية تجرأ عليها أصحابها، وللأسف باسم المصلحة، وهو المنهج نفسه الذي يسلكه بعض علماء السوء وأهل الأهواء في تبرير مواقف بعض الطواغيت.

إن جلب المصلحة ودرء المفسدة قاعدة شرعية عظيمة لا جدال فيها ولا نقاش، لكنها يجب أن تكون ضمن ضوابط، من أهمها: ألا تخالف نصًّا أو حكمًا شرعيًّا، وإلا كانت مصلحة ملغاة، ومما قد يمارسه بعض المربين باسم المصلحة: التجسس، والاستماع لحديث الآخرين دون علمهم، والاطلاع على ما يخصهم دون إذنهم... كل هذه الأمور محرمة شرعًا، لا تبيح المصلحة والتربية تجاوز هذه الحقوق إلا في أحوال خاصة.

فتجرؤ بعض المربين على تجاوز هذه الحدود الشرعية باسم المصلحة وضرورة التربية داخل في عموم قوله (تعالى) : (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ) ) [الحجرات: 12] ، وقوله: »من تحلم بحلم لم يره كُلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة« (1) .

ثانيًا: عدم وضوح قضية الظاهر والباطن:

من القواعد الشرعية أخذ الناس بظواهرهم وعدم التنقيب عما وراء ذلك، وما سبق من النهي عن التجسس والتطلع داخل ضمن هذه القاعدة، ولهذا قال: »إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس « (2) ، وقال أيضًا: » يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته« (3) .

وقال أيضًا لمعاوية: »إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم« (4) .

وينهى -صلى الله عليه وسلم- الرجل أن يطرق أهله ليلًا، معللًا ذلك بقوله: »يتخونهم أو يلتمس عثراتهم« (5) .

وتدعو الشفقة والحرص والعناية المربي إلى التطلع ومحاولة معرفة ما وراء الظاهر، والدافع لذلك كله حسن ولا شك؛ فهو يسعى للتربية والإصلاح، ويخشى أن يغتر بالمظاهر، فيريد قياس نتاج تربيته، لكن ذلك كله لا يجوز أو يسوغ أن يكون على حساب الضوابط الشرعية.

ومما يعين المربي على الاقتناع بهذا المسلك، وتجاوز التطلع: علمه أنه غير مكلف شرعًا بسوى ما يظهر له، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه كان يقول: »إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بالحجة من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع« (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت