ولمّا أتى عمر الشام استقبله أبو عبيدة بن الجراح، وفاض إليه ألمًا، فالتزمه عمر، وقبّل يده، وجعلا يبكيان (6) .
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: أَحبّ إخواني إليّ إذا رأيته قَبِلَني، وإذا غبت عنه عذرني (7) .
وكان الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يُقبّل رأس أبي بكر (8) .
ورئي على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ثوب كأنه يُكثر لبسه، فقيل له فيه، فقال: (هذا كسانيه خليلي وصفيّي عمر بن الخطاب، إنّ عمر ناصح الله فنصحه الله) (9) .
ولقي الصحابي حكيم بن حزام عبدَ الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ بعدما قُتل الزبير فقال: كم ترك أخي من الدّيْن؟ قال: ألفي ألف. قال: عليّ منها ألف ألف (10) .
ودخل رجل من أصحاب الحسن البصري عليه، فوجده نائمًا على سريره، ووجد عند رأسه سلة فيها فاكهة، ففتحها، فجعل يأكل منها، فانتبه، فرأى الرجل يأكل، فقال: (رحمك الله، هذا والله فعل الأخيار) (11) .
وقال أبو خلدة: دخلنا على ابن سيرين أنا وعبد الله بن عون، فرحب بنا، وقال: (ما أدري كيف أتحفكم؟ كل رجل منكم في بيته خبز ولحم، ولكن سأطعمكم شيئًا لا أراه في بيوتكم. فجاء بشهدة، وكان يقطع بالسكين ويطعمنا) (12) .
وقال محمد بن واسع: (لا خير في صحبة الأصحاب ومحادثة الإخوان إذا كانوا عبيد بطونهم؛ لأنهم إذا كانوا كذلك ثبّط بعضهم بعضًا عن الآخرة) (13) .
وقال عثمان بن حكيم الأودي: (اصحب من فوقك، ودونك في الدنيا) (14) .
وكان بلال بن سعد الأشعري يقول: (أخ لك كلما لقيك ذكّرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارًا) (15) .
وكان المحدث القارئ طلحة بن مصرف إذا لقي مالك بن مغول يقول له: (لَلُقياك أحبّ إليّ من العسل) (16) .
وقال ابن عيينة: سمعت مساور الورّاق يحلف بالله ـ عز وجل ـ: ما كنت أقول لرجل إني أحبك في الله ـ عز وجل ـ فأمنعه شيئًا من الدنيا (17) .
وكان أبو جعفر محمد بن علي يقول لأصحابه: يُدخِل أحدكم يده في كُمِّ صاحبه ويأخذ ما يريد؟ قلنا: لا. قال: فلستم بإخوان كما تزعمون (10) .
وأخيرًا: فمن أمثلة أخوة زمن المتأخرين من علمائنا ما كان بين شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ المحدثين جمال الدين المزّي ـ رحمهما الله ـ، فقد تأثر الثاني بشخصية شيخ الإسلام التي كانت قد اكتملت، فأعجب به المزي الإعجاب كله، وترافق معه طيلة حياته. قال مؤرخ الإسلام الذهبي: