(ترافق هو وابن تيمية كثيرًا في سماع الحديث، وفي النظر في العلم، وكان يقرر طريقة السلف في السنة..) (18) .
ولقد أخلص (المزي) لرفيقه (ابن تيمية) الإخلاص كله، ولآرائه التجديدية، وجعله مثله الأعلى، ويظهر ذلك جليًا من خلال دفعه لثمن ذلك من الأذى الذي تعرض له عدة مرات من سجن وعدم تمكينه من التحديث، ووضع العراقيل عند توليه لرئاسة دار الحديث الأشرفية.
ولما توفي شيخ الإسلام (ابن تيمية) مسجونًا بقلعة دمشق لم يسمح لأحد بالدخول أول الأمر إلا بخواص أصحابه منهم (المزي) وكان ممن ساعد في غسله.
وبالجانب الآخر كان (ابن تيمية) كثير الاعتماد على (المزي) وعلمه ومعرفته؛ فحينما خرج من سجنه بـ (مصر) سنة 709 هـ، وجلس في القاهرة ينشر علمه، واحتاج إلى بعض كتبه التي بالشام، كتب إلى أهله كتابًا يطلب جملة من كتبه، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك بـ (جمال الدين المزي) وسبب ذلك ما قاله ابن كثير: (فإنه يدري كيف يستخرج له ما يريد من الكتب التي أشار إليها) (19) .
وحينما ولي (المزي) أكبر دار حديث بـ (دمشق) وهي الأشرفية سنة 718 هـ، فرح (ابن تيمية) فرحًا عظيمًا بذلك وقال: (لم يَلِ هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحق بشرط الواقف منه) .
وكان شرط واقف الدار أن يُقَدّم من اجتمع فيه الرواية والدراية على من اجتمع فيه الرواية فقط، ففضله (ابن تيمية) بذلك على علماء عظام قد تولوا هذه الدار كـ (ابن الصلاح) ، و (أبي شامة) و (النووي) .
وحصل أن أخرج (ابن تيمية) رفيقه (المزي) من السجن بنفسه.
وبعدُ: فإن ما سقته من صور الأخوة في الله من حياة سلفنا لجديرة بالتأمل.
ولعل من أسباب الفتور الحاصل بين شباب الصحوة ضعف رباط الأخوة الصادقة.
فأين واقعنا الذي لا يخلو من المشاحنات والخلافات والبحث عن الزلات من واقع سلفنا الصالح ـ رضي الله عنهم ـ: (هيا بنا نؤمن ساعة) ؟، و (هيا بنا نبك من خشية الله، فإن لم نجد بكاءً تباكينا علّ الله يرحمنا) ؟.
وأين الفائدة العلمية ومذاكرة العلم بيننا، مع وجود وسائل الاتصال الحديثة التي تسهّل وتحفز للحرص على لقاء الفائدة؟
نسأل الله صلاح الأحوال والقلوب للفوز بمرضاته إنه مجيب الدعاء.
الهوامش:
(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية (4/94) وفي إسناده محمد بن أيوب الرقي، ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: عزيز الحديث، وله شاهد من حديث حذيفة بلفظ (سيأتي عليكم زمان لا يكون فيه شيء أعز