والاختلاف إذا لم يكن في أصول الدين وكلياته ، والدعاة الصادقون يرحم بعضهم بعضًا ، ويرفق بعضهم ببعض، ويتناصحون فيما بينهم.
كما إن الصدق مع الله سبحانه في الدعوة والجهاد يفرض على المسلم أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه ويجاهد من أجله ، وهذا يلزم التفقه في الدين والتبصرة فيه بما قال الله عز وجل وقال رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهمه الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
وإن من لوازم الصدق في الدعوة إلى الله سبحانه ، الحذر من كيد الأعداء المتربصين بهذا الدين وأهله من الكافرين والمنافقين ، وبخاصة في زماننا هذا الذي تنوعت فيه أساليب المكر والخبث ، فحري بالداعية الصادق أن يتفطن لدسائس الأعداء ودجلهم ونفاقهم ولو ألبسوا ذلك كله لبوس الحكمة والمصلحة إن التنازل اليسير من الداعية إلى الله سبحانه لا يقف عند حد ، بل يتبعه تنازلات وتنازلات ، لأن أعداء هذا الدين لا يكتفون بالقليل من الداعية وقد حذر الله سبحانه نبيه -صلى الله عليه وسلم-من هذا الخطر فقال: (( فلا تُطِعِ المكذبين * وَدُّوا لو تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون ) ) [القلم: 8-9] ، والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيها أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى -صلى الله عليه وسلم- وهي أن التكليف بهذه الدعوة تنزل من عند الله فهو صاحبها، وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار، فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم، أو الالتقاء في منتصف الطريق بين القائم على الحق والقائمين على الباطل، فهما منهجان مختلفان وطريقان لا يلتقيان، فأما حين يغلبه الباطل بقوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم ، لحكمة قضاها الله فالصبر حينئذ حتى يأتي الله بحكمه والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح ، وهما الزاد المضمون لهذا الطريق.
إنها حقيقة كبيرة لا بد أن يدركها ويعيش فيها رواد هذا الطريق فالمحاولات كثيرة التي حاول المشركون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فيها المساومة على الدعوة ، ولكن الله عصم منها رسوله ، وهي محاولات الطغاة مع أصحاب الدعوات دائمًا ، محاولة إغرائهم لينحرفوا ولو قليلًا عن استقامة الدعوة وصلابتها ، ويرضوا بالحل الوسط الذي يغرونهم به في مقابل مغانم كثيرة ، ومن جملة الدعاة من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هينًا ، فأولئك لا يطلبون منه أن يترك دعوته كليًا ، إنما يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق.
ومن لوازم الصدق في الدعوة أن يحذر الداعية من الكذب على إخوانه المسلمين والدعاة المصلحين ، ومن ذلك إشاعة الأخبار قبل التحقق من صحتها واستخدام الأساليب الملتوية والمراوغات بحجة السياسة والمصلحة.. كل هذا لا يتفق وصدق الداعية وسلامة قلبه.