ومن لوازم الصدق في الدعوة إلى الله سبحانه أن يعتني كل مسلم منا بنفسه بالوسائل الشرعية للتربية ، وذلك في وسط بيئة صالحة معروفة بصحة الفهم وحسن القصد ، يتربى معها ، ويعد نفسه للتضحية في سبيل الله عز وجل وبذل المال والنفس في ذلك ، وأن يوطن نفسه لابتلاءات الطريق ومشاقه، التي هي سنة من سنن الله عز وجل لتمحيص الصفوف ، قال تعالى: (( ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) ) [العنكبوت:2-3] فلا يتبين الصادق في دعوته من الكاذب إلا بالابتلاء نسأل الله عز وجل العافية والصبر عند البلاء.
إن الداعية الذي يهمل نفسه فلا يربيها ويعدها للبيع على الله عز وجل يوشك أن ينهزم وتخذله نفسه عند أول هزة وأول اختبار ، مع أنه يحب لنفسه غير ذلك مما يعيشه في حال الرخاء والأمن من الحماس العاطفي والكلام الذي لا يجاوز التراقي ، يقول سيد قطب رحمه الله: »إن العقيدة وطريقها لشاقة بعيدة ، تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة ، إن تكاليف العقيدة هو جهد خطر ، تجزع منه الأرواح الهزيلة والقلوب الخاوية ، ولكنه الأفق الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبيئة الهزيلة ، قال تعالى: (( لو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ) ) [التوبة: 42] (2) .
وإنني بهذه المناسبة أوصي نفسي وإخواني الدعاة والمجاهدين أن لا نتكلم في أمر ، أو نقدم على موقف من مواقف الدعوة حتى تتوفر فيه الشروط التالية:
1-الاطمئنان التام أنه الحق الذي يحبه الله تعالى ، وإعداد النفس لتحمل تبعاته.
2-الاطمئنان التام على أن القيام في هذا الأمر هو لله سبحانه وحده وابتغاء مرضاته.
3-الاستعانة بالله وحده في تحقيق هذا الأمر والثبات عليه إذ لا قدرة للعبد لحظة واحدة بدون عون الله وتوفيقه.
إذن يا إخواني الدعاة: إن الأمر جد ليس بالهزل.
قد هيؤوك الأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
الرسالة الثالثة إلى المربين في هذه الأمة:
أوصي نفسي وإياكم بما أوصى به الله سبحانه عباده المؤمنين (( يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) ) [التوبة: 119] .
أيها المربون: إن التربية لها معنى أوسع من التعليم وتلقين المعلومات فالتربية هي الجهد الذي يبذله المربون في كل مجتمع من آباء ومعلمين وغيرهم في إنشاء الأجيال القادمة على أساس العقيدة التي يؤمنون بها ، ومنحهم الفرصة الكافية لتشرب معاني الدين والتضحية من أجله والاعتزاز به بين الأمم فالأمة الجادة هي التي تربي أبناءها طبقًا للعقيدة التي تدين بها لله تعالى ، وتسعى لنشرها بين الأمم ،