فهرس الكتاب

الصفحة 759 من 780

ونتائج أخطاء الآخرين؟ أليس الجهل بالأمر عذرًا كافيًا لاستثنائهم؟ بلى! ولذا فقد دلت الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جمع حيًا واحدًا من الأنصار، ولم يجمع الأنصار كلهم.

ومنها: أن مشاركة الآخرين مدعاة أيضًا إلى أن تأخذ نفوس المخطئين العزة بالإثم والإصرار على الخطأ، ومحاولة تسويغ أخطائهم؛ بذكر مثالب القائد، سواء كان في نفسه وإدارته، أو حتى في أسرته؛ فيسمع الصغير والكبير بذلك، فتحدث له فتنة جديدة ستكون عونًا على انحرافه وخروجه من دائرة الطيبين.

ومنها: أن تصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- كان غاية في الحكمة، وقمة في الذكاء والحنكة، فلم يجلس مع أبي بكر وعمر، أو المهاجرين ليحكي لهم ما بدَر من الأنصار، حتى يؤكد صحة مذهبه وطريقته؛ فيقوى بذلك جانبه، ويحقق مآربه، كلاَّ! فهو القائد والمعلم، وأولئك تلاميذ فحسب، والتلميذ مهما بلغ فهو تلميذ يجب أن يحترم قائده وموجهه، ويصبر على تعنيفه وإساءته؛ ففي معارضته حرمان نفسه لخيره وفضائله وصدق القائل:

اصبر على مر الجفا من معلم

فإن رسوب العلم في نفراته

لقد انفرد -صلى الله عليه وسلم- بهذا الحي من الأنصار لينصحهم ويربيهم على انفراد تام؛ ليؤكد لنا على أهمية النصح للمخصوص دون استماع غيره، سواء كان هذا المخصوص فردًا أو جماعة وصدق الشافعي حين قال:

تعهدْني بنصحك في انفرادٍ وجنبني النصيحة في الجماعهْ

فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعهْ

فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تغضب إذا لم تُعطَ طاعهْ

وقال مسعر بن كدام ـ رحمه الله ـ: «رحم الله من أهدى إليّ عيوبي في سر بيني وبينه؛ فإن النصيحة في الملأ تقريع» (2) .

? الوقفة التاسعة: التعميم لا التعيين:

لقد استخدم -صلى الله عليه وسلم- لفظًا عامًا في مخاطبة الحضور، ولم يعين شخصًا بعينه، أو اثنين أو ثلاثة بأسمائهم مع أنه ـ والله أعلم ـ كان يعلم بالذين تكلموا؛ فالوحي لم يكن ليترك النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يخبره بمثل ذلك.

والمتأمل لسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وخطابه عند حلول المشكلات، أو حدوث الأخطاء من الصحابة يرى استخدامه لكلمات عامة: «ما بال أقوام، وما بال رجال» ، وإليك نماذج من ذلك:

«ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله! إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت