فهرس الكتاب

الصفحة 763 من 780

التباس الحق بالباطل والجهل بالعلم ولتعاون شياطين الجن والإنس (( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراْ ) ) [الأنعام: 112] ، فتعاونوا في وضع هذا التلبيس في قوالب من الأقوال مزخرفة، وألفاظ من القول خادعة، وتسمية للأشياء بغير أسمائها فَضَلّ بسبب ذلك كثير من الناس، والعاقل منهم من وقف حائرًا لا يدري أين وجهة الحق فيما يسمع ويرى من التناقضات وتبرير المواقف الخاطئة المخالفة للشريعة، بسبب استيلاء الهوى على النفوس واستيلاء الشهوات على القلوب.

ولما كان من غير المستطاع المجاهرة برد الشريعة ورفضها، كان لابد لهم من لي أعناق النصوص من آيات وأحاديث ليستدل بها أولئك المبطلون على المواقف المنحرفة وليست فيها دلالة عليها، ولو أن الذي يقع في الانحراف يعترف بذنبه وخطئه وضعفه في مخالفة الشريعة، لكان الأمر أهون، وكذلك لو أنه استدل بدليل في غير محله ولما نُبّهَ إلى هذا الخطأ في الاستدلال رجع واعترف لكان هذا أيضًا أهون، ولكن المصيبة أن يصر المسلم الذي حَرّفَ الأدلة ولواها ليجد لعمله مَخْرَجًَا وشرعية، فيكابر بعد بيان الحق له، ويغالط نفسه والمسلمين بصنيعه هذا.

منطلق هذه الوقفات:

إننا في زماننا هذا نرى صورًا كثيرة من لبس الحق بالباطل، وصورًا أخرى من المغالطات والخداع والحيل المحرمة في شرع الله عز وجل، فكان لزامًا على الدعاة والمصلحين أن يحذروا من الوقوع في هذا المزلق، وأن يكشفوه للناس ولا يدَعُوهم لأهل الأهواء يلبسون عليهم دينهم ويحرفون الكلم عن مواضعه، ومعلوم ما ينتج من وراء ذلك من الفتن والتضليل.

من أجل ذلك جاءت هذه الوقفات التربوية في ضوء القرآن الكريم لمعالجة هذا الموضوع المهم على ضوء الكتاب والسنة وما ذكره العلماء الفحول، وقد اخترت عنوانًا لها قوله تعالى: (( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) )، وهو جزء من آيتين كريمتين وردت إحداهما في سورة البقرة عند قوله تعالى: (( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) ) [البقرة:42] والأخرى في سورة آل عمران عند قوله تعالى: (( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ) ) [آل عمران:71] .

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:

وهاتان الآيتان وإن كانتا قد نزلتا في أهل الكتاب فالعبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب كما هو مقرر عند علماء الأصول، فكل من كتم الحق وخلطه بالباطل وهو يعلم فهو من أهل هذه الآية، ولذلك سوف لا أتطرق لمحاولات أهل الكتاب ولا أصحاب الملل الكافرة في تلبيس الحق بالباطل ومغالطاتهم في ذلك، بل سينصب جل البحث على واقعنا المسلم الذي نعيش فيه وندعو إلى الله فيه، محاولًا كشف بعض الصور التي التبس فيها الحق بالباطل والتي يقع فيها بعض المنتسبين لهذا الدين من المنافقين وضعاف الإيمان لتبرير الانحراف أو التهوين منه والرضى به وإقراره، بل إن بعض الطيبين من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت