فهرس الكتاب

الصفحة 772 من 780

فإذا ظهرت المحن وبدايات الابتلاء والتمحيص آثر السلامة والراحة، وعلل ذلك بالابتعاد عن الفتن ودرء المفاسد.

ولا يعني ما سبق من الكلام أن يبحث الداعية عن الأذى والابتلاء، كلا، فالمطلوب سؤال الله العافية وعدم تمني البلاء، كما لا يفهم منه أيضًا الدعوة إلى التهور والطيش ـ معاذ الله ـ، فلابد من وجود المنطلقات الشرعية في كل التصرفات، لكن المراد أن لا نغفل عن سنة الله (سبحانه) في ابتلاء المؤمنين، وأن نوطن أنفسنا على هذه الأمور، لأنه لابد منها لكل من ادعى الإيمان وتصدّر للدعوة والجهاد، ولابد منها ليتميز الخبيث من الطيب، ولابد منها لتمحيص القلوب والصفوف، ولو قلبنا تاريخ الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وتاريخ الدعاة والمصلحين لرأينا ذلك المعلَم ظاهرًا وقاسمًا مشتركًا عندهم جميعًا.

وقريب من هؤلاء أولئك الذين يبررون كسلهم وحبهم للراحة وضعف همتهم بالتواضع البارد والزهد في المسؤولية، لأنه يعرف أن الدعوة إلى الله (سبحانه) لا يعرف صاحبها الراحة، وتحتاج إلى همة عالية، لكنه عوضًا من أن يعترف بضعفه هذا، فإنه يغالط نفسه وغيره، ويسعى إلى ترقيعه بإلقاء هذا الضعف على الخوف من المسؤولية واحتقار النفس، وأن هناك من هو أولى وأتقى وأفضل.. إلخ.

4-المداهنة وضعف الولاء والبراء بحجة المداراة والتسامح ومصلحة الأمة: إن الخلط بين المداراة والمداهنة، والتميع في الولاء والبراء بحجة التسامح، كل ذلك ينتج عنه آثار خطيرة على الدين وأهله، وذلك بما يفرزه هذا الخلط واللبس من المغالطة والتضليل على الأمة في أن ما يقع من الملبسين من مداهنة وموالاة لأعداء هذا الدين إنما هو مداراة.

وإيضاحًا لهذا الأمر: أنقل كلامًا لأهل العلم يزيل اللبس في مسألة المداراة والمداهنة ومسألة الولاء والتسامح.

قال البخاري (رحمه الله) في باب المداراة مع الناس: ويذكر عن أبي الدرداء: إنا لنكشر في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم، وعن عائشة (رضي الله عنها) أنه استأذن على النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل فقال: ائذنوا له فبئس ابن العشيرة ـ أو بئس أخو العشيرة ـ فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول الله، قلت ثم ألنت له في القول، فقال: أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله مَن تَركه ـ أو ودعه ـ الناس اتقاء فحشه (3) .

ويعلق ابن حجر (رحمه الله) على حديث عائشة بقوله: قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت