فهرس الكتاب
(سبحانه) كتب عليه الفقر أو الجوع أو عدم الزواج، بل إنا نجده يسعى ويفعل الأسباب الممكنة لدفع كل ذلك، فلماذا لا يوجد هذا الدفع أيضًا في أمور الدين وأمور الآخرة فيسعى للآخرة سعيها، ويأخذ بأسباب الهداية وأسباب النجاة من النار، وهي ميسرة لمن أرادها؟!، لماذا هو جبري في أمور الدين والآخرة، وقدري في أمور الدنيا؟.
وقريب من الذين يحتجون بالقدر على فعل المعاصي والرضى بالواقع أولئك الذين يتجرؤون على فعل المعاصي اعتمادًا على رحمة الله (سبحانه) ، نعم إن الله غفور رحيم، ولكن ليس مقتضى هذه الرحمة أن يتجرأ هذا الملبس على المعصية، وإنما المقصود منها: فتح باب التوبة والرحمة لمن وقع فيها وانتهى وندم، فيقال له: لا تيأس؛ فإن الله غفور رحيم.
3-ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله خوف الابتلاء وتعريض النفس للفتن: هناك من يترك الأمر والنهي عجزًا وكسلًا وجبنًا وبخلًا، لكن لا يريد أن يعترف بهذه الصفات الذميمة، فبدلًا من الاعتراف بها والسعي للتخلص منها فإنه يحاول جاهدًا في تغطية ضعفه هذا بمبررات شرعية، منها: الخوف من الفتن واعتزال كل ما يعرض النفس للابتلاء والفتنة والهلكة ودرء المفاسد، معتمدًا على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح والضوابط الشرعية في ذلك، فمقصودنا هو كشف اللبس والتدليس والمغالطة على النفس وعلى الناس في أن النكول عن الأمر والنهي قد تم من منطلق شرعي وضوابط شرعية، والأمر في حقيقته ليس كذلك، وإنما هو الخوف والجبن وإيثار السلامة وعدم تحمل أي أذى أو مكروه في سبيل الله (عز وجل) ؛ يقول الإمام ابن تيمية (رحمه الله) : ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة: صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة، كما قال [تعالى] عن المنافقين: (( ومنهم من يقول: ائذن لي ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا ) ) [التوبة: 49] (2) .
فلا يصح لقائل أن يقول أنه يجب الابتعاد في الدعوة إلى الله (سبحانه) عن كل ما من شأنه أن يجر على الداعية الأذى والمحن!، إن صاحب هذا القول قد نسي أو تناسى سنة الله (عز وجل) في الصراع بين الحق والباطل، وسنته (سبحانه) في الابتلاء والتمحيص؛ قال (تعالى) : (( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم، أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين* وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) ) [العنكبوت:10،11] .
نعم إن من بيننا من يريد المغنم من الدعوة ولا يريد المغرم، بدليل عدم الإعداد والاستعداد لأي أذى يعترضه في الطريق ـ ولو كان قليلًا ـ، وإنما مادام الأمن والسلامة والراحة فهو نشيط ومتحرك،