فهرس الكتاب

الصفحة 774 من 780

والجواب لا أملكه، لأنها معادلة صعبة يختلف حلها من شخص لآخر، ويكفي في حلها أن يعلم الله (سبحانه) من أنفسنا أننا نريد التعفف والبذل بصدق في سبيل الله (سبحانه) ، فعندئذ يحمينا برحمته من الدنيا وزخرفها، ويخرجها من قلوبنا لتبقى في أيدينا، وكل إنسان على نفسه بصيرة.

6-الاحتجاج بيسر الشريعة وضغط الواقع: إن القول بيسر الشريعة وسماحتها حق لا شك فيه، ولكن الاحتجاج بهذا التيسير للتفلت من أحكام الشريعة والتحايل عليها، واتباع الهوى في الأخذ بالرخص والشذوذات الفقهية، كل هذا باطل وتلبيس وتضليل، يتبنى ذلك أهل الأهواء الذين يتبعون الشهوات، يريدون بذلك تحلل المجتمع المسلم من أحكام الشريعة باسم التيسير وترك التشديد، وصدق الله العظيم: (( ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاْ عظيمًا ) ) [النساء: 27] .

ومن رحمة الله (عز وجل) أنه لم يكل مصالح العباد إلى أهواء البشر وشهواتهم، بل وضع (سبحانه) شريعة كاملة مبرأة من الجهل والهوى، ومبرأة من النقص والقصور، لأن مصدرها منه (سبحانه) الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، ولو أن تقرير مصالح العباد كان في أيدي البشر لحصل من ذلك شر وفساد كبير، وذلك لما عليه البشر من الجهل والنقص والهوى والشهوة، وهذا مشاهد في الواقع؛ فالمجتمعات التي لا يحكمها شرع الله (سبحانه) وتحكمها أنظمة البشر وقوانينهم نرى فيها من الفساد والشرور والظلم والاستعباد والضنك والضيق ما تعج منه الأرض والسماوات، وتبرأ منه الوحوش في البريات، وصدق الله العظيم: (( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ) ) [المؤمنون: 71]

إن الذين يتشدقون بالتيسير ويغالطون به بغير علم ولا هدى من الله (سبحانه) ، لو كان الأمر بأهوائهم لعطلوا كثيرًا من أحكام الشريعة التي قد يُظَن فيها المشقة والضيق مع أن مآلها اليسر والسعادة في الدارين، فالله (سبحانه) الرحيم بعباده، هو الذي يعلم ما يصلح شؤونهم، وييسر أمورهم، ويعلم ما يشق عليهم وما لا يشق، إنه حكيم عليم.

7-التشهير بالدعاة والمصلحين واغتيابهم بحجة النصيحة والتحذير من الأخطاء: عن أبي برزة الأسلمي، والبراء بن عازب (رضي الله عنهما) ، قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته (5) .

والمقصود من إيراد هذه الصورة هو الحذر من تزيين الشيطان وتلبيسه في إظهار الغيبة أو النميمة أو التشهير في قالب النصيحة، والتحذير من الأخطاء والغيرة على دين الله وتعظيم حرمات الله (عز وجل) ، إن هذا هو الخطير في الأمر: إذ لو أن الواقع في الغيبة أو النميمة أقر بذنبه، واعترف بتقصيره، واستغفر ذنبه لكان الأمر أهون، أما أن يكابر ويلبس على نفسه وعلى الناس بأن قصده النصيحة للأمة وتحذيرها من الأخطاء، وهو يعلم من نفسه غير ذلك من التشفي أو الحسد أو التهوين من شأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت