فهرس الكتاب
من وقع منه الخطأ وتنفير الناس عنه، فكل ذلك من المغالطة وتلبيس الشيطان وتزيينه؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) : ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحدًا إلا بخير ولا أحب الغيبة ولا الكذب، وإنما أخبركم بأحواله، ويقول: والله إنه مسكين، أو رجل جيد ولكن فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، الله يغفر لنا وله، وإنما قصده استنقاصه، وهضمًا لجنابه، ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك، كما يخادعون مخلوقًا، وقد رأينا فيهم ألوانًا كثيرة من هذا وأشباهه، إلى أن قال: وربما يذكره عند أعدائه ليتشفوا به، وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه، ومنهم من يظهر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر، فيظهر في هذا الباب أشياء من زخارف القول، وقصده غير ما أظهر، والله المستعان (6) .
فلا مدخل لملبّس ومغالط في إظهار حقده وتشفيه وحميته لنفسه في قالب النصح والديانة، وكل إنسان أدرى بنفسه وقصده.
ولكن يبقى هناك بعض القرائن التي تكشف هذا اللبس والخداع في نفس المدعي للنصح والديانة، منها:
1-التشهير والتعيير بالمنصوح، خاصة إذا كان من المصلحين وأهل العلم.
2-الظلم، وعدم الإنصاف مع المنصوح، وبخسه حقه، وإخفاء خيره وحسناته.
3-عدم التثبت، والأخذ بالشائعات، وتصيد الأخطاء والفرح بها.
4-تغليب سوء الظن، وتفسير المقاصد بدون دليل وبرهان.
5-أن يكون قد عرف عنه الكذب وقلة الورع.
6-المداهنة للظالمين والركون إليهم.
8-التلبيس على الناس برفع لافتات إسلامية تخفي وراءها الكيد للدين وأهله: إن من أخطر ما يهدد الأمة في عقيدتها وأخلاقها أن تعيش في جو من اللبس والتضليل والخداع، فلا ترى الحق بصورته المضيئةولا الباطل بصورته القاتمة المظلمة، بل قد يصل بها المكر والخداع إلى أن ترى الحق باطلًا والباطل حقًا، ويلتبس سبيل المجرمين بسبيل المؤمنين، ومن أعظم الالتباس بين السبيلين أن يقوم المجرمون من أعداء المسلمين سواء من الكفار الصرحاء أو المنافقين الدخلاء برفع لافتات، ظاهرها الإسلام ومحبة الدين والدعوة إليه، وباطنها الكيد والمكر والخداع، ويحصل من جراء ذلك: أن يُخدع كثير من المسلمين بهذه اللافتات فينشغلون بها، ويثنون على أهلها بدلًا من فضحها وكشف عوارها وتعرية باطلها، وعن خطورة التباس سبيل المجرمين بسبيل المؤمنين، يقول ابن القيم (رحمه الله) : فإن اللبس إنما يقع إذا ضعف العلم بالسبيلين أو أحدهما؛ كما قال عمر بن الخطاب: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا من كمال علم عمر (رضي الله