فهرس الكتاب
وجوابه من وجوه: أحدها: أنه قد ثبت عن أنس رواية الجهر بها عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من رواية جماعة، وصحَّحه الدار قطنيُّ، والحاكم [1] [2] ، وغيرهما.
وروي عن أنس قال: صلَّى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة، فقرء البسملة في أم القرآن، ولم يقرأ بها في السُّورة، فلما سلَّم ناداه من شهد ذلك من/ [3] المهاجرين من كل مكان: يا معاوية أسرقتَ الصَّلاة أم نسيتَ، فلما صلَّى بعد ذلك قرأها. رواه الدارقطنيّ في سننه، وقال: رجاله كلهم ثقات، وقال الحاكم: إنه على شرط مسلم [4] .
(1) روي عن أنس عدة روايات في الجهر بالبسملة, وكلها ضعيفة, منها: ما رواه معتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال: (( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر بالقراء ببسم الله الرحمن الرحيم ) )رواه الدارقطنيّ 1/ 309, والحاكم 1/ 234, وقال: رواة هذا الحديث كلهم ثقات, ووافقه الذهبيّ, وقال ابن تيمية: (( إنَّ تصحيح الحاكم وحده, وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا, فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم, وقد اتفق أهل العلم في الصحيح على خلافه, ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله لا يعارض بتوثيق الحاكم ما ثبت في الصحيح خلافه ) ), ثمَّ ذكر في آخر كلامه أنَّه لم يثبت. مجموع الفتاوى 22/ 426, 430, وراجع نصب الراية 1/ 352.
ومنها: ما رواه الحاكم 1/ 234 بسنده عن أنس قال: (( صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - , وخلف أبي بكر, وخلف عمر, وخلف عثمان, وخلف علي فكلهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) ), قال الذهبيّ: (( أما استحيى المؤلف أن يورد هذا الحديث الموضوع فأشهد بالله والله أنَّه كذب ) ).
ومنها: ما رواه الدارقطنيّ 1/ 308, والحاكم 1/ 233 بسندهما عن أنس قال: (( سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) ), قال الحاكم: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات, ووافقه الذهبيّ, ولكن فيه شريك بن عبد الله النخعي, قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب ص 436: صدوق يخطئ كثيرًا, تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء.
(2) في هامش (ج) 1/ل 165/ب: (( لم يوافق الحاكم على ذلك, بل أنكر الذهبيّ ذلك على الحاكم أشدَّ إنكار ) ).
(3) نهاية 1/ل 165/ج.
(4) رواه الدارقطنيّ 1/ 311, والحاكم 1/ 233, ورواه أيضًا الشَّافعيّ في الأم 1/ 212, وعبد الرزاق 2/ 92 رقم (2618) , والبيهقيّ في السنن الكبرى 2/ 1374, والبغويّ في شرح السنة 3/ 55 - 56, من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم, قال الدارقطنيّ: رجاله كلهم ثقات, وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم, ووافقه الذهبيّ, وقال ابن الجوزيّ في التحقيق 2/ 242: (( يرويه عبد الله بن خثيم, قال يحيى بن معين: أحاديثه ليست بالقوية ) ), ثمَّ قال: (( وفي الجملة لا يثبت عن أنس شيء من هذا, بل قد صحًّت الأحاديث عنه بخلافه قولًا, وفعلا ) ), وضعَّفه أيضًا ابن تيمية من ستة وجوه:
أحدها: أنَّه روى عن أنس أيضًا الرواية الصحيحة الصريحة المستفيضة التي ترد هذا.
الثَّاني: أنَّ مدار ذلك الحديث على عبد الله بن عثمان بن خثيم وقد ضعَّفه طائفة, وقد اضطربوا في روايته إسنادا ومتنًا ... , وذلك يبيِّن أنَّه غير محفوظ.
الثالث: أنَّه ليس فيه إسناد متصل السماع, بل فيه من الضعفة والاضطراب ما لا يؤمن معه الانقطاع, أو سوء الحفظ.
الرابع: أنَّ أنسًا كان مقيمًا بالبصرة, ومعاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحدٌ علمناه أنَّ أنسًا كان معه, بل الظاهر أنَّه لم يكن معه.
الخامس: أنَّ هذه القضية بتقدير وقوعها كانت بالمدينة, والراوي لها أنسٌ وكان بالبصرة, وهي مما تتوافر الهمم والدواعي على نقلها, ومن المعلوم أنَّ أصحابَ أنس المعروفين بصحبته, وأهلَ المدينة لم ينقل أحد منهم ذلك, بل المنقول عن أنسٍ, وأهلِ المدينة نقيض ذلك, والناقل ليس من هؤلاء, ولا من هؤلاء.
السادس: أنَّ معاوية لو كان رجع إلى الجهر في أوَّل الفاتحة والسورة لكان هذا أيضًا معروفًا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه, ولم ينقل هذا أحدٌ عن معاوية, بل الشاميون كلُّهم خلفاؤهم, وعلماؤهم كان مذهبُهم تركَ الجهر بها, بل الأوزاعيُّ مذهبه فيها مذهب مالك لا يقرؤها سرًا ولا جهرًا, فهذه الوجوه, وأمثالها إذا تدبرها العالم قطع بأنَّ حديث معاوية إمَّا باطل لا حقيقة له, وإمَّا مغيَّر عن وجهه, وأنَّ الذي حدَّث به بلغه من وجه ليس بصحيح, فحصلت الآفة من انقطاع سنده, وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به الحجة لكان شاذًا؛ لأنَّه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس, وعن أهل المدينة وأهل الشام, ومن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًا ولا معللا, وهذا شاذ معلل, إن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته )) . مجموع فتاوى ابن تيمية 22/ 430 - 431.