الصفحة 80 من 330

يدع مجالا للشك أمرين؛ الأول: أن التوراة شيء يختلف عن كتاب موسى عليه السلام، والثاني: أنها سبقت كتاب موسى عليه السلام في النزول.

التوراة كتاب يضمّ بين دفتيه جميع ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل:

والأرجح أنها أُنزلت مفرّقة بدءًا من يعقوب أو إسحاق، وانتهاءً بزكريا عليهم السلام، وأنها مجمل ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل من كتب، ومن ضمنها ما أُنزل على يعقوب ويوسف، وموسى وداود وسليمان وزكريا، وبقية أنبيائهم، ممن لم تذكر أسمائهم، في القرآن عليهم السلام أجمعين، قال تعالى (وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(136 البقرة) ولاحظ أن ترتيب أسماء الأنبياء، في هذه الآية جاء متعاقبا حسب الترتيب الزمني، ولاحظ أيضا أنّ الإنزال، شمل كل من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وتوقف. وأفرد موسى وعيسى مع أنهم من الأسباط وخصّهما بالإيتاء، وأفرد النبيين من غير ذرية إبراهيم بالإيتاء أيضا، والظاهر أن هناك فرق بين الإنزال والإيتاء، وأما ماهية الأسباط فسنبينها في فصل آخر.

ولو اطلعت على مجمل النصوص القرآنية، لوجدت أن ما نُسب إلى موسى عليه السلام بالإيتاء، هو الكتاب والفرقان والهدى وضياء وذكر والألواح والصحف، وأن التوراة لم تنسب نصّا إلى موسى عليه السلام، في أي موضع من المواضع ال (18) في القرآن، وهي (6 مرات في آل عمران، و7 مرات في المائدة، ومرة واحدة في كلٍ من، الأعراف والتوبة والفتح والصف والجمعة) ، وخلاصة القول، أن ذكر التوراة في القران، يُقصد به مجموع ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل، أي الكتاب الذي كان بأيدي اليهود زمن نزول القرآن، وحتى عصرنا هذا، وأن ذكر الكتاب، يقصد به ما أُنزل على موسى لوحده، والله أعلم. وأما ما يُنسب إلى موسى عليه السلام في التوراة الحالية، فهي الأسفار الخمسة الأولى من مجموع أسفارها، وهي أسفار التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية، وعلى الأرجح أن بعض هذه الأسفار، كسفر التكوين، كان موجودا قبل موسى عليه السلام، ومن المحتمل أن يكون هذا السفر، هو مجموع صحف إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام.

حقيقة التوراة على لسان المقدسي:

جاء في كتاب (البدء والتاريخ) للمقدسيّ، ما نصه:"وذلك أن (بختنصر) ، لما خرب بيت المقدس وأحرق التورية، وساق بني إسرائيل إلى أرض بابل، ذهبت التوراة من أيديهم، حتى جدّدها لهم عزير فيما يحكون، والمحفوظ عن أهل المعرفة بالتواريخ والقصص، أن عزيرا (عزرا الكاتب) أملى التوراة في أخر عمره، ولم يلبث بعدها أن مات، ودفعها إلى تلميذ من تلامذته، وأمره بأن يقرأها على الناس بعد وفاته، فعن ذلك التلميذ أخذوها ودونوها، وزعموا أن التلميذ، هو الذي أفسدها وزاد فيها وحرفها، فمن ثم وقع التحريف والفساد في الكتاب، وبُدّلت ألفاظ التوراة، لأنها من تأليف إنسان بعد موسى، لأنه يخبر فيها، عما كان من أمر موسى عليه السلام، وكيف كان موته ووصيته إلى يوشع بن نون، وحزن بني إسرائيل وبكاؤهم عليه، وغير ذلك مما لا يشكل على عاقل، أنه ليس من كلام الله عز وجل، ولا من كلام موسى، وفي أيدي السامرة توراة، مخالفة للتوراة التي في أيدي سائر اليهود، في التواريخ والأعياد وذكر الأنبياء، وعند النصارى توراة منسوبة إلى اليونانية، فيها زيادة في تواريخ السنين على التورية العبرانية، بألف وأربع مائة سنة ونيف، وهذا كله يدل على تحريفهم وتبديلهم، إذ ليس يجوز وجود التضاد فيها من عند الله".

أما ما دفعني للبحث في أمر التوراة في البداية، هو رغبتي في استخراج نص النبوءة منها، ومقارنته مع نص سورة الإسراء، واستقراء تاريخهم حسب ما يروونه هم بأنفسهم، فيما إذا كان هناك ما يفيد تحقق الوعد الأول، من خلال البحث في التوراة الحالية، والموجودة تحت اسم العهد القديم، في الكتاب المقدس الخاص بالنصارى، حيث توفرت لديّ نسختين عنه، باسم (كتاب الحياة / ترجمة تفسيرية / ط2 1988 / جي سي سنتر القاهرة) ، وتقع في (1128) صفحة، والأخرى باسم (الكتاب المقدس / دار الكتاب المقدس في الشرق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت