الصفحة 159 من 330

الإنجيل في الأصل كتاب سماوي، أُنزل على عيسى عليه السلام، بنص واحد مصدقا لما جاء في التوراة، ويحمل في طياته شريعة جديدة لليهود، وناسخة لبعض ما جاء في شريعة موسى، لتخفّف عنهم الكثير من الأعباء، والكثير من القيود والأغلال، التي كانوا قد ألزموا بها في التوراة، نتيجة فسقهم وعصيانهم وظلمهم.

ومن أهم ما جاء به عيسى عليه السلام، هي البشرى بنبي الهدى (أحمد) عليه الصلاة والسلام. وكلمة الإنجيل في اليونانية تعني البشرى أو البشارة، ويدّعي النصارى أن هذه البشرى هي بشرى الخلاص. أمّا فيمن كانت البشارة حقيقة، فنجده في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ(6 الصف) . ونص البشارة بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، موجود في الإنجيل الرابع المنسوب ليحيى (يوحنّا) عليه السلام، في الإصحاحات (14 - 16) ، ومُسمّياته هي"المؤيِّد"و"المؤيِّد الروح القُدس"و"روح الحق"و"سيّد هذا العالم"، في الترجمة التي اقتبست منها هذا النص. وفي ترجمات أخرى:"الروح القُدس المُعِين"،"المُعَزِّي".

أما ما هو موجود هذه الأيام في الأناجيل، هو مُجرّد بقايا من الوحي الإلهي، المُنزل على الرسل. وهذا ما يؤكدّه حتى المؤمنين به من النصارى أنفسهم. فقد جاء في مقدّمة نسخة العهد الجديد من الكتاب المُقدّس، دار المشرق ط13، ما نصه"إن القارئ في عصرنا، وهو حريص على الدّقة، لا ينفكّ يبحث عن الأحداث، التي تم إثباتها والتحقّق منها، يقع في حيرة أمام تلك المؤلفات (الأناجيل الأربعة وملحقاتها) ، التي تبدو له مفكّكة، يخلو تصميمها من التنسيق، ويستحيل التغلب على تناقضاتها، ولا يُمكنها أن تردّ على الأسئلة التي تُطرح عليها".

وهكذا يعترف رجالات الدين المسيحي، أن محتويات كتابهم المقدّس مُتناقضة، وأنها مؤلفات كُتبت بأيدي بشر، بعد المسيح بما يزيد على 300 سنة، وأقدم النسخ المتوافرة ذات أصل يوناني، تعود إلى القرن الرابع الميلادي. وأما النصوص الأصلية للإنجيل بلغته العبرية أو الآرامية، فهي غير موجودة. وللحقيقة يستحيل أن يكون ذلك صحيحا. فقد سمعت يوما، أن الكثير من المخطوطات الأصلية، موجود على شكل لفائف وقراطيس، في قوارير زجاجية على رفوف، في أقبية الكنائس الكبرى. ولا يُسمح لأي كان من الوصول إليها، إلا كبار رجالات الكنيسة، الحريصون على إضلال الناس، بكتم ما في تلك المخطوطات من حقائق، تنفي ألوهية عيسى، وتدعوا إلى وحدانية الله.

أما الكتاب الموجود حاليا بين يديّ النصارى، فهو لا يعدو أكثر من كونه كتاب، يحكي سيرة المسيح عليه السلام - كما التوراة تحكي سيرة موسى - بشكل حائر ومُضطرب، تغلب عليه ذِكر أفعاله أكثر من أقواله، حتى أنك تشعر عند قراءته، أن المسيح شخصية خيالية أسطورية ساذجة غبية وبليدة، خالية من الحكمة والمنطق، وحاشا لله أو لابنه كما يدّعون، أو حتى لرسول أن يكون كذلك. غير أن إنجيل يوحنّا (يحيى) ، وسفر الرؤيا المنسوب ليوحنّا، يبدو أنهما أكثر قربا، إلى الأسفار المُتأخرة من التوراة، حيث أنهما يتفقان مع أسلوب كتابة النصوص التوراتية، إلى درجة التطابق، من حيث الإنشاء والألفاظ المُستخدمة والمُسميّات، وحتى تكرار وازدواجية النصوص، التي تؤكد أنهما جُمعا ونسخا من مصدرين مُختلفين.

وقد جاء في مقدّمة سفر الرؤيا، من نسخة العهد الجديد من الكتاب المُقدّس، دار المشرق ط13، ما نصه:"لا يأتينا سفر رؤيا يوحنّا، بشيء من الإيضاح عن كاتبه. لقد أطلق على نفسه اسم يوحنّا، واسم نبي، ولم يذكر قط، أنه أحد الاثنيّ عشر (التلاميذ) . هناك تقليد على شيء من الثبوت، وقد عُثر على بعض آثاره منذ القرن الثاني (الميلادي) ، وورد فيه أن كاتب الرؤيا هو الرسول يوحنّا، وقد نُسب إليه أيضا الإنجيل الرابع. بيد أنه ليس في التقليد القديم إجماع على هذا الموضوع. وقد بقي المصدر الرسولي لسفر الرؤيا، عرضة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت