الصفحة 327 من 330

الأرض حبلى بالفساد:

قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41 الروم)

لم تحمل الأرض، حملا فاسدا ومفسدا، في تاريخها الطويل، كهذا الحمل، الذي حملته في المائة سنة الأخيرة. فقد حوت في رحمها، جميع خطايا ومعاصي الأمم السابقة، التي كانت فيما مضى، تُهلك لمجرد خطيئة أو معصية واحدة تُصرّ عليها، كعبادة الأصنام، أو إتيان الفواحش، أو تطفيف الكيل، وذلك بالرغم من وجود، تعاليم موسى وعيسى ومحمد، عليهم الصلاة والسلام، حية مسطورة بين دفات الكتب. فالأرض حبلى بالفساد، ولا بد لهذا الحمل، الذي عظم شأنه وكبر حجمه، من جراحة قيصرية مؤلمة جدا، لإنقاذ رحم الأرض، قبل أن تتسرّب لبقيته العفونة، فلا يُسمح له بحمل آخر.

قال تعالى (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ، مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا، أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24 يونس)

هذه الآية تحمل في ثناياها سنة إلهية، جاءت على شكل شرط وجواب للشرط، والشرط، (أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) ، هو أن تأخذ الأرض أبهى صورها، وأن يُصبح أهلها منشغلون بمظاهرها، مفتونون بجمالها، يبذلون قصارى جهدهم في تحصيل متاعها، غافلين عن شكر خالقها وبارئها، ظانين أنهم قادرين، وبلا منازع، على تصريف شؤونها، وشؤون من على ظهرها من المخلوقات، منتقصين قدر وقدرة، خالقهم وخالقها.

أما جواب الشرط، فهو مجيء أمر الله، (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) ، وماهية أمر الله تتبين من النتيجة، في تعقيبه سبحانه وتعالى، (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) ، وهي خراب الأرض، بزوال زينتها وزخرفها، التي أشغلت الناس عن عبادة الله، وهي تشمل كل ما تراه من حولك، من مفاتن الحياة، التي اغتر بها الناس، إلا من رحم ربي وهم قليل، وذلك يعني هلاك الكثير من الناس. وإن لم تستخدم الأسلحة النووية، في جعل الأرض صحراء قاحلة، أينما وقع من أهلها، ما أخبرت عنه الآيات، فما الذي سيجعلها كذلك، مع حتمية زوال هذه الأسلحة، كما كنا قد أوضحنا في فصول سابقة.

وهذه السنة الإلهية، ستمضي في عصرنا، وقريبا جدا، كما مضت مرارا وتكرارا في الأقوام، كلما ابتعد الناس عن الغاية الإلهية، من جعل الإنسان خليفة في الأرض، ويُعقّب سبحانه، أنه فصّل الآيات، وأن هذا الأمر المفصّل في الآية، مطروح للتفكّر فيه، بمعنى أنك متى عاينت ما أخبرت عنه الآيات، متمثّلا على أرض الواقع، فتوقع أمر الله في أي لحظة، هذا إن كنت ممن يتفكّرون.

الأمة الإسلامية فسقت عن أمر ربها وموعودة بالعقاب أيضا:

قال تعالى (قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ، وَأَبْنَاؤُكُمْ، وَإِخْوَانُكُمْ، وَأَزْوَاجُكُمْ، وَعَشِيرَتُكُمْ، وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا، وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24 التوبة) .

وهنا شرط آخر خاص بأمة الإسلام، فإن تحقّق منها ما تُخبر عنه الآيات، وقد تحقّق هذه الأيام، بل حالنا أسوأ من ذلك بكثير، إذ لمن نكتفي بحب الحياة الدنيا ومفرداتها، فقد بدأنا مؤخرا، نمارس الفساد والظلم والعصيان، والتعدي على حدود الله في وضح النهار، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت