الأماكن العامة، في الشارع، في الجامعة، في التلفاز، في الصحف، في الكتب، ولكن الرحمن الرحيم، لم يُنزل بنا غضبه حتى هذه اللحظة، ولا شكّ أنه على وشك ... !
أمر الله سيحيق بنا قريبا، وأقلّه شيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وأكثره الهلاك العاجل في الدنيا، ونار جهنم في الآخرة، هذا لمن فسق عن أمر ربه، من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، أما من ضرب بمظاهر الحياة الدنيا عرض الحائط، وتاجر بما عند ربه، فآمن وصبر وعمل صالحا، فأولئك لهم البشرى من ربهم، في الدنيا والآخرة.
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا، وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَاطْمَأَنُّوا بِهَا، وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8 يونس)
صراع بين مذهبين:
مرت البشرية بعدة محطات، بدأت بهبوط آدم عليه السلام، بمذهب إلهيّ يدعو إلى الصلاح والإصلاح، وهبوط إبليس بمذهب شيطاني يدعو إلى الفساد والإفساد. ومنذ ذلك اليوم بدأ الصراع الحقيقي بين مذهبين، بين مذهب إبليس ومذهب رب العزة، وكل له جنده، وتُركت للبشر حرية الاختيار، في تجنيد أنفسهم لنصرة أحد المذهبين، وكل من الفريقين سيتحمّل تبعة اختياره.
حين بدأت الحياة البشرية على الأرض، كان مقام آدم عليه السلام، في أرض الجزيرة العربية، حيث كانت جنة الله في الأرض، فقام ببناء أول بيت وضع لعبادة الله، في مكة المكرمة. وتناسل فيها وكثر أولاده وأحفاده. ومع مرور الزمن، بدأ المذهب الشيطاني ينتشر في نسله، والمذهب الإلهي يضمحل شيئا فشيئا. وبعد وفاة آدم عليه السلام، استفحل المذهب الشيطاني، حتى عمّ أرجاء المعمورة، التي لم تتجاوز حدود الجزيرة العربية آنذاك.
في هذه الأجواء، بُعث سبحانه نوح عليه السلام، لدعوة قومه، فلم يستجب له، إلا قلة من المستضعفين، ولما واجهوه بإصرارهم على الكفر، واستمرارهم بالإفساد في الأرض، ولما انقطع رجاءه في هدايتهم. هنالك دعا ربه ليقطع دابر الكافرين، فأُمر بصناعة الفلك. وبدأ بإقامته وسط اليابسة، حيث أقرب بحر يبعد آلاف الأميال، وإقامة الفلك في ذلك المكان هو الجنون بعينه، فما كان من قومه إلا أن سخروا منه وممن معه، وهم لا يعلمون، وعن عاقبتهم غافلون. وفجأة ... انقلب كل شيء رأسا على عقب، كان الطوفان الذي رافقه انقلاب كوني هائل، في جغرافية الأرض، جعلت من الجزيرة العربية صحراء قاحلة.
ورست سفينته على جبل الجودي، في الموصل شمالي العراق، فنزل الذين انتصروا للمذهب الإلهي، واستوطنوا العراق في بادئ الأمر، ومع مرور الزمن، ومن هناك بدءوا بالانتشار، شيئا فشيئا، في شتى بقاع الأرض. وعادت الأمور بعد الطوفان، كما كانت في بداية عهد آدم عليه السلام، وبدأ الناس في التناسل والتكاثر.
وبعد نوح عليه السلام، ومع مرور الزمن، بدأ المذهب الشيطاني دورته الثانية، أخذ سبحانه يبعث الرسل تباعا، إلى تلك الأقوام التي كانت محصورة، في هذه منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية، حيث أن المناطق الأبعد، لم تكن مأهولة آنذاك، وأُخذت معظم أقوام الرسل السابقين بالعذاب، ومن ثم بدأ الناس منذ تلك اللحظة، في الانتشار إلى البلدان الأبعد شيئا فشيئا - حتى عمروا الأرض كلها في عصرنا الحالي - ومع ذلك بقيت الكثافة السكانية آنذاك، متمركزة في هذه المنطقة، ولذلك اختصت بالرسالات السماوية دون غيرها. ومن ثم بُعث إبراهيم عليه السلام، إلى قومه في بلدة أور جنوب العراق، فلم يؤمنوا له، فتركهم وهاجر إلى الأرض المقدّسة، ليُسلم الراية إلى نسله من بعده.
وبعد مرور الزمن، وبعد ضلال بني إسرائيل، أثناء تواجدهم في مصر، عن شريعة آبائهم إبراهيم واسحق ويعقوب عليه السلام، بُعث فيهم موسى عليه السلام، فلم يؤمنوا له ولا لمن بعده إلا قليلا. وبعد سنين طويلة، من انتصار بني إسرائيل للمذهب الشيطاني، بُعث