تبدأ سورة الدخان بتعظيم شأن القرآن الكريم، وتعظيم شأن الليلة التي أُنزل فيها، وتركّز السورة، على الإنذار دون البشرى، حيث قال سبحانه في إرسال محمد عليه الصلاة والسلام (يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45 الأحزاب) . ويؤكد سبحانه أنه أرسله، منذرا للبشر من قبل أن يحل بهم العقاب، رحمة منه بعباده. والعقاب الذي تأتي على خبره الآيات وتحذّر منه، هو البطشة الكبرى، التي لم تُحدّد ماهيتها هنا، ونذير هذه البطشة، الذي سيسبقها بقليل، هو الدخان، فليرتقبه الناس، فإن ظهر وعاينوه فليعتبروا، وليحذروا، وليعودوا عما هم عليهم من الشك والتشكيك في أمر ربهم، واللعب في أمر دينهم، والطعن في رسولهم الكريم، الذي بُعث إليهم بشيرا ونذيرا، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، فليرتقبوا البطشة الكبرى. وقد ظهر الدخان الموصوف في هذه السورة، في عاصمة أحد الأقطار العربية، فاقرأ معنا هذا الفصل والفصول التي تليه، لتعرف كيف فُسّرت هذه النبوءة على أرض الواقع، ولتعرف من هم الموعودين بالبطشة الكبرى قريبا، بعد إصرارهم على ما هم عليه، من الكفر والفسوق والعصيان، بالرغم من غشيان الدخان لهم، بنفس الصفة، التي أخبرت عنها الآيات.
تعريف بسورة الدخان:
"مكية، كما روي عن ابن عباس، وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، ووجه مناسبتها لما قبلها أنه عز وجل، ختم ما قبلها (الزخرف) بالوعيد والتهديد، وافتتح هذه بشيء من الإنذار الشديد، وذكر سبحانه هنا، كقول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (في نهاية سورة الزخرف) ، وهنا نظيره، فيما حكى عن أخيه موسى عليهم الصلاة والسلام، بقوله تعالى فدعا ربه، أن هؤلاء قوم مجرمون، وورد بفضلها أخبار"، الألوسي.
أقوال بعض المفسّرين في آيات سورة الدخان:
(حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (6)
"يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم، أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، أمر حكيم، أي محكم لا يُبدّل ولا يُغيّر، ولهذا قال جل جلاله، (أمرا من عندنا) ، أي جميع ما يكون ويُقدّره الله تعالى وما يوحيه، فبأمره وإذنه وعلمه، (إنا كنا مرسلين) أي إلى الناس رسولا يتلوا عليهم آيات الله مبينات"، ابن كثير.
(رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ(7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)
"أي إن كنتم من أهل الإيقان، علمتم كونه سبحانه رب السماوات والأرض، لأنه من أظهر اليقينيات دليلا، وفي هذا الشرك تنزيل إيقانهم، منزلة عدمه، لظهور خلافه عليهم، وهو مراد من قال: إنه من باب تنزيل العالم منزلة الجاهل، لعدم جريه على موجب العلم، قيل: ولا يصح أن يقال: إنهم نزلوا منزلة الشاكين، لما كان قوله سبحانه بعد: بل هم في شك، ولا أدري بأسا في أن يقال: إنهم نزلوا أولا كذلك، ثم سجّل عليهم بالشك، لأنهم وأن أقرّوا بأنه عز وجل، رب السماوات والأرض، لم ينفكّوا عن الشكّ لإلحادهم في صفاته، وإشراكهم به تعالى شأنه"، الألوسي.