ماهية التوراة:
التوراة في (لسان العرب) : نجد أن هذه الكلمة ذات أصل عربي"ومصدرها وَرِيَ، والوراء هو ولد الولد، والواري هو السمين من كل شيء، ووَرِيَ المخ يَرِي إذا اكتنز، وناقة وارية أي سمينة، وورَيْتُ النار توريةً، إذا استخرجتها، قال واستوريت فلانا رأيا، أي سألته أن يستخرج لي رأيا، ووريت الشيء وواريته أخفيته، واستوريت فلانا رأيا أي طلبت إليه أن ينظر في أمري، فيستخرج رأيا أمضي عليه، ووريت الخبر، أُورِيه توريةً، إذا سترته وأظهرت غيره، وكأنه مأخوذ من وراء الإنسان، لأنه إذا قال وَرَيْته، فكأنه يجعله وراءه حيث لا يظهر، والتورية هي السَتْر".
ولو تدبرّنا كل المعاني السابقة، لوجدنا أن هذ التسمية (التوارة، التورية حسب الرسم القرآني لها) ، جاءت لتصف بدقة وبشمولية، حال الكتاب الموجود بين أيدي اليهود، منذ وفاة زكريا عليه السلام، ولغاية الآن، ولتصف الكيفية التي يتعامل بها اليهود مع هذا الكتاب، فكتابهم في الواقع مكتنز وسمين، فهو يحوي بين دفتيه (39) سفرا، وإحدى نسخه المترجمة، فيها ما يزيد عن 1128 صفحة، بمعدل 380 كلمة لكل صفحة، أي ما يفوق القرآن من حيث عدد الكلمات، بِ (6) مرات تقريبا، جُمع فيه ما أُنزل على أنبياء بني إسرائيل المتعاقبين تباعا، من شرائع وأخبار ونبوءات غيبية، وتاريخ وأساطير وخرافات، وعلى فترات متباعدة ومتتالية، ولمدة لا تقل عن ألف وخمسمائة سنة.
التوراة لم تنزّل على موسى وكتابه جزء منها:
وحسب النص القرآني، في الآية (يَأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(65 آل عمران) ، والآية (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ(46 المائدة) ، نجد أن نزول التوراة، حُصر في الفترة الزمنية الواقعة بين، وفاة إبراهيم ونبوّة عيسى عليهما السلام، ومن قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ(44 المائدة) ، نجد أنها أنزلت كمرجع لبني إسرائيل (بني يعقوب عليه السلام) ، لاستنباط واستخراج الأحكام الشرعية منها، وفي قوله تعالى (يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ(15المائدة) وقوله (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ(187 آل عمران) نجد وصفا لحال اليهود معها وما كان منهم، في إخفائها وكتمانها وتحريفها، وإظهار غير ما جاء فيها، وكل ما قيل فيها من معاني في المعجم، ينسجم مع واقع التوراة الحالي، وليس على كتاب موسى فقط، والذي هو في الأصل جزء منها، وما كان الفصل بينها وبين موسى عليه السلام في القران، إلا ليؤكد هذه الحقيقة.
ولو تمعنّا في هذه الآية (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ - إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ - مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ - قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(93 آل عمران) ، وانظر قوله تعالى (تُنَزَّلَ) ، ولم يقل (تُنْزَلَ) ، والتنزيل غير الإنزال، فالأول على مراحل، والثاني لمرة واحدة، ومن ثم انتقلنا إلى سورة الأنعام، وتدبرنا الآيات (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ...(151) ... (152) ... (153) = ثُمَّ = آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154 الأنعام) لوجدنا أن هذه الآيات توضح، ما كان قد حُرّم عليهم في التوراة، وأن مجيء أداة العطف (ثُمَّ) ، بعد ذكر ما جاء في التوراة مباشرة، والتي تفيد لغةً، الترتيب والتراخي في الزمن، ومجيء العبارة (آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) بعدها، يؤكد بما لا