الصفحة 21 من 330

قال تعالى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ علَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(76 النمل) ، هذه الآية الكريمة تؤكد أن هذا القرآن، فضلا عن مخاطبته لكافة البشر، جاء ليقصّ على بني إسرائيل، أي ليُخاطبهم ويوضّح لهم بشكل خاص، كثيرا مما اختلفوا فيه، من أمور الدين والدنيا والآخرة. فهو يحكي تاريخهم، ويعرض مواقفهم من أنبيائهم، ومشاهد من كفرهم وعصيانهم وعدوانهم، والعذابات التي أنزلها الله بهم،، ويكشف طبائعهم، ويفضح سرائرهم، ويُفنّد أقوالهم، ويُحذّرهم ويُحذّر منهم، ويُبيّن لهم حقيقة ما جاء به رسلهم وأنبيائهم من وحي، بعد أن طمسته وشوّهت معالمه أقلام أحبارهم.

ويقول سبحانه في الآية (12) من سورة الإسراء، (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) ، أي أن كلّ شيّ مما سبق هذا القول من آيات، قدّ بيّنه سبحانه، بيانا واضحا لا لُبس فيه. وهذا القول البليغ، عندما تقرأه مرارا وتكرارا، تجد أن له وقعا خاصا في نفسك، والآيات التي تسبق هذا القول، تخبرنا عن أمر يتعلق ببني إسرائيل، من حيث إفسادهم وعلوهم وعقابهم. وقد جاء هذا القول (بالفعل ومفعوله المطلق للمبالغة في التأكيد) مرة واحدة في القرآن، في هذا الموضع بالذات، تعقيبا على ما مجمل ما جاء قبله من آيات، ولم يأتِ عامّا كما في قوله تعالى (كِتَابٌ فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3 فصلت) ، أو في قوله تعالى (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(52 الأعراف) .

وإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدّل على أن ما تتحدّث عنه هذه الآيات، أمر غاية في الأهمية، ولذلك فصّله سبحانه تفصيلا، وأبانه بيانا لا يختمره شكّ أو تقوّل، وأن هذا التفصيل جاء لعِظم هذا الأمر، وأن معرفته بكل دقائقه وتفاصيله، لا بد إلا أن يكون فيه الكثير، من النفع والفائدة، لمن يُخاطبهم القرآن، وما كان بيانه وتفصيله عبثا. وما كان هذا الفصل، إلا للتعريف بهذه الدقائق والتفاصيل، وما جاء هذا الكتاب إلا لتعميم الفائدة على الناس، والله من وراء القصد.

لو أمعنت النظر في مجمل سورة الإسراء، لوجدت أنها تناوبت ما بين أسلوبي الإخبار والمخاطبة، ولو أمعنت النظر في مقدمة السورة، ستجد أنها جاءت إخبارية ومُخاطِبة للمسلمين، بصفة عامّة، وإخبارية ومُخاطِبة لبني إسرائيل، بصفة خاصّة.

والسؤال الأول: لماذا أُعيد نص النبوءة بأسلوب المخاطبة، لبني إسرائيل في عصر أمة الإسلام؟

مقدمة السورة (الآيات 1 - 3) جاءت كتمهيد، فهي تذكر المسجد الأقصى، وتبين قدسيّته عند الله وبالتالي عند المسلمين، وتذكُر كتاب موسى عليه السلام، وتذّكِر بني إسرائيل بما جاء فيه، وبالذات عدم الشرك بالله، واتّخاذ وكلاء من دونه، ويمنّ اللهّ عليهم ويذكرهم بنجاة أسلافهم من الطوفان، وبنفس الوقت يحذّرهم من الهلاك، من خلال ذكر نوح عليه السلام، وأنّه ما كان لنوح ومن معه النجاة، لولا إقراره بالعبودية لله (عبدًا) أولًا، وقيامه بالعبادة لله (وشكورًا ثانيًا) .

السؤال الثاني: لماذا التمهيد، وبهذا الشكل المرعب لبني إسرائيل؟

هناك قول بأن كلتا المرتين وقعتا قبل الإسلام، فلو كان هذا الأمر صحيحا، لتوجب أن يكون نص النبوءة كاملا بأسلوب الإخبار، ولما كان هناك داعي لوجوده أصلا، فقد أخبرنا سبحانه في مواضع أخرى في القرآن، بأنه غضب عليهم، ولعنهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وتوعدهم بأن يبعث عليهم، من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، وقطّعهم في الأرض أمما.

السؤال الثالث: ما هو الأمر الذي خرج عن كل ما تقدّم، فأراد سبحانه لفت أنظارنا إليه، مبينا أهميته، ومنبها إليها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت