الصفحة 20 من 330

يرفض كل مظاهر الحياة الدنيا، التي يتمسّك بها الآن معظم المسلمين، ويسعون لإبقائها ويحرصون على إدامتها والاستزادة منها ما أمكنهم ذلك.

نص هذه النبوءة موجود في كتب اليهود، فما الذي قام به زعماؤهم العلمانيون والمتدينون، عندما أرادوا أن يقيموا لهم دولة؟ أخذوا من النبوءة الجزء الخاص بالعودة من الشتات ورد السبي، وفسّروها على أن الله أراد لهم ذلك، بغض النظر عن فسادهم وإفسادهم، وأخفوا النصوص التي تُحذّر من العقوبة التي تنتظرهم، ليُضفوا على عودتهم إلى فلسطين، بعدا دينيا توراتيا، وبالتالي استطاعوا كسب التأييد والدعم المادي والمعنوي، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، من اليهود والنصارى على حد سواء.

نحن أيضا نملك نص النبوءة نفسها، وملزمون بتحرير الأقصى، ولأننا نشعر بالعجز وقصر ذات اليد، قمنا بإضفاء البعد الديني على عملية التحرير، بحصرها بخلافة إسلامية غير منظورة على المدى القريب، واستبعدنا احتمالية أن يتم هذا الأمر، خارج هذا الإطار العاطفي. وبعد أن تقوقعنا داخل هذا الإطار، بدأنا نُفسّر المعطيات حسب ما يتوافق مع هذا التوجّه. حتى بلغ بنا الأمر، إلى أن نُحمّل النصوص القرآنية ما لا تحتمله، لتوافق رغباتنا وأهوائنا وتطلّعاتنا كمنتسبين للإسلام. فأخذنا عبارة (عبادا لنا) ، وعبارة (وليدخلوا المسجد) وعبارة (كما دخلوه أول مرة) ، وسلخناها عن جلدها، وقمنا بالإسهاب في تفسير وتفصيل هذه العبارات، وأهملنا بعض العبارات الأخرى، وفسّرنا بعضها الآخر بشكل يُناقض فحواها، فعزلنا العبارات عن آياتها، وعزلنا الآيات عن بعضها، وعزلنا مجموعة الآيات عن السورة، وعزلنا السورة عن القرآن، وعزلنا القرآن عن كل شيء. فخرجنا باستنتاجات وتحليلات وأصدرنا أحكام، حرمت الكثير من الناس من المعرفة الحقيقة، التي تكتنفها نصوص هذه النبوءة، التي تم تفسيرها، بتغليب من الهوى والعاطفة، على النصوص القرآنية والسنة، وعلى العقل والمنطق والواقع والتاريخ والجغرافيا.

وبذلك أزاحت بعض التفسيرات، التي حصرت تحرير الأقصى، بالخلافة الإسلامية عن غير قصد، عن كاهل هذا الجيل عبء فكرة التحرير، وأبعدت عن أذهان الناس شبح حرب قادمة، مما ساهم بشكل غير مباشر، في تخدير أمة الإسلام لسنين طويلة، لينعُم الناس بحياة آمنة مطمئنة، ولكن للأسف بعيدا عن الدين. فالخلافة الإسلامية على المدى القريب صعبة التحقق، لأن مقومات قيامها ضمن الظروف الراهنة معدومة. والأمة بحاجة لمن يُنبّهها لا لمن يُخدّرها ... وقبل طرح هذه الفكرة الخطرة عن تحرير المسجد الأقصى ... ونسبها إلى كتاب الله ... وأن الله أراد ذلك ... كان على روّاد هذه الفكرة ... أن يتجرّدوا من عواطفهم وأهوائهم كليا عند تفسير آيات الله ... فالقرآن يطلب العقل سبيلا للفهم لا العاطفة والهوى ... لدرجة أنه جعل (القلب) موطنا للعقل بدلا من العاطفة ... وأن يُفكّروا مليّا قبل أن يُقدّموها للناس ... فنحن بحاجة لبناء مساجد في نفوس الناس ... فإن استطعنا القيام بذلك ... فلن نحرّر المسجد الأقصى فقط ... بل سنحرّر العالم بأسره ... وإن لم نستطع فالأحرى بنا ... أن نعتزل ونفرّ إلى رؤوس الجبال ... بأطلال المساجد المتبقية في نفوسنا ... حتى يأتي الله بأمره ... !!!

هذا الطرح الخطِر والبعيد جدا، عما جاء في النصوص القرآنية، سيؤدي بالناس لا محالة، إلى الوقوع في الحيرة والارتباك، ونشوء كثير من علامات الاستفهام، حول من قدّم هذه التفسيرات، وحول مصداقية كتاب الله نفسه، من قبل ضعاف الإيمان والعقل والقلب، عندما تتحقّق النبوءة بشكل مغاير لتلك التفسيرات.

ربما يُصرّ الكثير من الواقعيون، على أن الواقع يُناقض مما يطرحه هذا الكتاب. غير أن هذا الواقع سيتغير بالتدريج، أو بين عشية وضحاها ليتوافق مع أمر الله. وإن لم يتوافق، فأمر الله فوق الواقع، وكثيرا ما يأتي بغتة. وبالرغم من ذلك، أعتقد بأن كثير من المتغيرات، على المستوى الإقليمي والعالمي، ستلوح في الأفق، قبل مجيء أمر الله، وسيلحظها كل ذي بصيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت