لتذكير بني إسرائيل وتنبيههم وتحذيرهم، من مغبة الإفساد في الأرض في المرة لثانية، مما يترتب عليه نفاذ الوعد الثاني، كما نفذ الوعد الأول.
ومع أن المخاطَب في هذه الآيات، هم بنوا إسرائيل (المعاصرين) ، ولكن يجب ألا ننسى، أن هناك من يقرأ ويسمع خطابه تعالى - لبني إسرائيل - من خلال القرآن، ممن هم من غير بني إسرائيل، ولا يعلمون من أمر هذه النبوءة شيئا، فيما إذا كانت قد أنزلت عليهم في كتابهم أم لا، فابتدأ عز وجل القصة بالإخبار عن وجودها في كتابهم، لمن لا يعلم من الجمهور بذلك، من مستمع وقارئ لهذه القصة. ليُعيد الجمهور إلى الأجواء التي أُنزلت فيها هذه النبوءة، ليسهُل فهمها من قبلهم. وليصبحوا مساوين لبني إسرائيل في معايشة تلك الأجواء، التي يعرفونها كما يعرفون أبنائهم، من خلال ما لديهم من كتب. لذلك تجده سبحانه أحيانا يتوجه بالخطاب إلى الجمهور، تاركا (خطاب بني إسرائيل) ، ليضيف إليهم خبرا أو تعقيبا، على جزء معين من هذه النبوءة، أو إيضاحا أو تفصيلا، لم يرد في النص الأصلي للنبوءة، التي سبق أن أُنزلت عليهم، أو تحقق بعد نزولها، لزم إخبار الجمهور عنه في هذه الآيات. فالحكمة من الإخبار بهذه النبوءة والكشف عنها للبشر، هي تحصّل الإيمان بالقرآن ومن أنزله ومن أُرسل به، كما عقّب سبحانه بقوله في نهاية السورة (قُلْ ءَامِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا(107 الإسراء) . وسنبين إن شاء الله كل موضع، حصل فيه التفات، لتصبح نصوص النبوءة أكثر وضوحا وأسهل للفهم. وعدم معرفة ماهية الالتفات ومواضعه - أحد أوجه البلاغة في لغة العرب - سيجعل من الصعوبة بما كان، أن يفهم الناس النصوص القرآنية بشكل صحيح، وربما يقلب المعنى بشكل مخالف تماما.
8.الضمائر
متابعة الضمائر في هذه الآيات، بأنواعها الثلاثة، المتكلِّم والمخاطَب والغائب، وتحديد على من يعود كل منها. وهنا لا بد أن نوضح ونؤكد، على أنّ كل الضمائر الواردة في الآيات (4 - 8) ، ما عدا ضمائر المتكلِّم التي تعود عليه سبحانه، تعود على أولئك العباد أولي البأس الشديد أنفسهم في مواضع، وعلى بني إسرائيل في مواضع أخرى، وهي محصورة فيهم على الإطلاق، إذ لم يضف النص طرفا ثالثا.
9.الاعتراض
وهو إضافة جملة إلى السياق، كتعقيب على خبر قد سبق ذكره، زيادة في الإيضاح والإبانة، وهو أحد أوجه البلاغة أيضا. وعدم وجود هذا التعقيب، ربما يُثير التساؤل في ذهن المستمع، فيُضيف الراوي من تلقاء نفسه خبرا جديدا، ليدفع الحيرة عنه، ومنعا لتوارد الاجتهادات والتفسيرات الخاطئة في مخيلته، وليُغني المستمع الحاجة إلى السؤال. فعادة ما تأتي الجملة المعترضة كإضافة، لإزالة الغموض واللبس، الذي قد ينجم عن سوء تقدير المستمع، ولزوم هذا التعقيب يعود لتقدير الراوي.
وقد وقع الاعتراض في نصوص النبوءة في موضعين، في قوله تعالى"وكان وعدا مفعولا"، للتعقيب على الوعد الأول، لبيان أن هذا كان قد أُنجز أم لم يُنجز. وفي قوله تعالى"وليتبّروا ما علوا تتبيرا"للتعقيب على العلو الكبير الخاص ببني إسرائيل، لبيان وتأكيد أن هذا العلو ستتم إزالته مستقبلا لا محالة.
10.الهوى والعاطفة
نحن كمسلمين مرتبطون عاطفيا بالمسجد الأقصى، ومرتبطون عاطفيا بالبطولات الإسلامية وأبطالها، ومرتبطون عاطفيا بالخلافة الإسلامية وخلفائها، لأنها توفّر لنا شعورا بالعزة والكرامة طالما افتقدناه، ونحن بأمس الحاجة إليه هذه الأيام. وفي المقابل نحن أبعد ما نكون عن الإسلام، في حياتنا العملية، ولو نظرنا في أعماق أعماقنا، لوجدنا أننا نرفض الإسلام كأسلوب للحياة، لأن الإسلام بكل بساطة