الصفحة 18 من 330

4.فهم الألفاظ ومدلولاتها

في كثير من الأحيان نفهم ألفاظ القرآن، بالمعنى الذي نستخدمه به في حياتنا المعاصرة، وربما يكون هذا الاستخدام مختلف أو مخالف تماما، لاستخدام العرب القدماء - الذين نزل القرآن بلغتهم - لنفس اللفظ، مما يتسبّب في سوء التفسير أو الفهم. فعلى سبيل المثال، لنأخذ كلمة (فَصَلَ) ، فنحن نستخدم هذا اللفظ تقريبا بمعنى واحد؛ قَطعَ التيار، فَرّقَ ما بين شيئين بشيء ثالث، طرده من الوظيفة. أما العرب القدماء فقد كانوا يستخدمونها بمعان شتى، تفهم عادة من السياق، منها؛ قَطعَ وفَرَّقَ وخَرَجَ، ومن هذه المعاني تستطيع تفسير قوله تعالى (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ(249 البقرة) ، على أن طالوت خرج بالجنود.

وفي كثير من الأحيان، يحمل اللفظ الواحد في القرآن، مفهوما عاما عريضا، ويندرج تحته عدة مفاهيم خاصة، يُعرّفها ويُفصّلها القرآن في مواضع عديدة. ومن هذه الألفاظ على سبيل المثال؛ الإفساد والعلو والفاحشة والظلم، وهذه كلها مفاهيم عامة، يختلف تحديد مواصفاتها ومقاييسها، باختلاف فهم الشخص على سبيل المثال لماهيّة اللفظ. وإذا تركنا الإجابة للناس، كلٌ حسب رأيه، ستجد أن هناك تعاريف عديدة ومتباينة، أما القرآن فله تعريفه الخاص.

فلنأخذ لفظ الظلم، يقول سبحانه وتعالى (وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ(59 القصص) ، فما هي ماهية هذا الظلم، الذي يتحتم عليه إهلاك القرى؟ وكيف تستطيع القرى أن تسلم من الهلاك، بما أن الظلم هو المقياس لذلك، كما أخبر رب العزة؟ ولفهم دلالة هذا اللفظ، يتحتم عليك أن تُلمّ بكل مُتعلّقاته، في جميع الآيات القرآنية، التي ورد فيها ذكره، لتخرج في النهاية بما يُشبه المقياس، الذي من خلاله تستطيع تعريف هذا المفهوم، بالمقياس الإلهي له، وليس بالمقاييس الشخصية للناس.

5.الإيجاز الشديد

مثل قوله تعالى (فجاسوا خلال الديار) ، حيث وصف سبحانه، كل ما فعله أولئك العباد، في المرة الأولى بثلاث كلمات فقط، أو بالأحرى كلمة واحدة هي (فجاسوا) ، وبالرغم من ذلك، فإن هذه الكلمة، وعند الاطلاع معانيها في المعجم، ستجد أنها تصوّر مشهدا سينمائيا كاملا، وبدون الاطلاع على تلك المعاني، لن تمتلك القدرة على تخيّل ذلك المشهد.

6.الحذف وتقدير المحذوف

حذف كلمة أو عبارة من السياق، لسبق الدلالة عليها فيما تقدم من نصوص، مثل حذف جواب شرط إذا الخاص بوعد الآخرة، وتقديره (بعثناهم عليكم) في الآية (7) ، لدلالة قوله تعالى (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم) في الآية (5) .

7.الالتفات

الحديث عن الغائب، ومن ثم الانتقال لتوجيه الخطاب إلى الحاضر، والعكس بالعكس، بين حين وآخر، مثل (وقضينا إلى - الحديث هنا عن الغائب(السابقين من بني إسرائيل) ... لتفسدنّ في - الخطاب هنا إلى الحاضر (المعاصرين من بني إسرائيل) .. ). عادة ما يستخدم هذا الأسلوب، في إخبار المستمع الحاضر عن حدث وقع في الماضي. والهدف من إنزال هذه النبوءة في كتاب موسى، وإعادة نسخها في القرآن، هو كشف للغيب الذي لا يعلمه إلا من أخبر عنه، فيما أنزله من كتب على رُسله، لعل الناس المعاصرين بربهم يؤمنون، عند تحقق هذه النبوءة بكل تفاصيلها، كما جاءت في الكتب السماوية. لذلك جاء الإخبار في القرآن للناس كافة، وجاء الخطاب لبي إسرائيل خاصّة، لأن الأمر يعنيهم أكثر من غيرهم، فلعلّهم إلى ربهم يرجعون.

لقد أخبر سبحانه في الآية (2) أنه آتى موسى الكتاب، وفي الآية (4) أخبر بأنه أنزل في ذلك الكتاب نص هذه النبوءة، التي سيشرع فيما يلي بالإخبار عنها بكل تفاصيلها، كما جاءت في كتاب موسى، حيث جاء النص آنذاك مخاطبا لبني إسرائيل. وإتيان النص بأسلوب المخاطبة لبني إسرائيل في القرآن، يفيد أن هناك جزء من هذه النبوءة سيتحقق مستقبلا بعد نزول هذه الآيات، وأعيد النص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت