عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30 الفرقان) . وهجر القرآن نبوءة، وقد تحققت في زماننا هذا، وأنّى لنا هذا، فالتفكر والتدبر في أمور الحياة الدنيا، أشغلنا وأغنانا عن الآخرة، التي ما خلا من القرآن موضع، إلا وذكّرنا بها، وهذا أخشى ما نخشاه، لأننا لا نريد أن نتذكّر، لكيلا نتألّم من المصير المرعب، الذي نسجناه بأيدينا، والذي إن تذكّرناه، لم يغمض لنا جفن، ولم ترقأ لنا عين.
2.تجميد القرآن وتعطيله وفصله عن الواقع، ماضيا وحاضرا ومستقبلا
يذهب كثير من الناس، من علماء وعامّة، إلى أن فهم القرآن واكتشاف مكنوناته، مقصور على فئة معينة من الناس دون غيرهم، أو في زمان أو مكان دون آخر. بالرغم من أن هناك الكثير من التفسيرات الخاطئة، والروايات المضلّلة أحيانا، في كتب التفسير القديمة، والتي لم تصحّح لغاية الآن. ونحن باعتمادنا بشكل كلّي على تفسيرات القدماء، حرمنا أنفسنا من فهم كثير من الآيات، ذات الصلة بواقعنا المعاصر، والتي ما كان لأحد من المفسرين قديما، القدرة على تفسيرها، في زمن يسبق زماننا هذا، ولا نقصد هنا التعريض بأي حال من الأحوال، بأي من المفسرين أجلّهم الله، فكل له عذره وأسبابه، ولكن نريد أن نؤكد من خلال هذا الكتاب أن القرآن ما زال حيّا، وما زالت لديه القدرة، على الإتيان بجديد حتى قيام الساعة، ولم يكن فهم القرآن يوما، ولن يكون محصورا، بزمان أو مكان، أو أشخاص دون غيرهم.
3.الغموض والإبهام في نصوص النبوءات المستقبلية
عادة لا تُستخدم النصوص الصريحة، في الكتب السماوية، وفي السنة النبوية، كأسلوب للإخبار عن مضامين النبوءات، فعادة ما يُستعمل الوصف والتشبيه والتمثيل. وهذا هو حال مجمل النبوءات المستقبلية، تبقى بعض نصوصها عصية على الفهم، حتى تتمكن من تجسيد نفسها على أرض الواقع، لتفسّر نفسها بنفسها. فلاكتمال معالمها، أسباب ومسببات، لا بد لها من أخذ مجراها الطبيعي. وعادة ما تكون في جانب منها مبهمة، خاصة للطرف صاحب الدور الأكبر، بترجمة أحداثها على أرض الواقع.
وفي المقابل تبقى بعض نصوصها سهلة للهضم والفهم، لمن جاءت في كتبهم، إذا عاصروها، ولكن بالقَدْرِ الذي لا يسمح لهم، بالتدخل في مجرياتها، أو تعطيل الأسباب والمسببات المؤدية لتحقّقها. ولتبقى قدرتهم على التدخل مقيّدة، بما لم يعرفوه يقينا، مما أُبهم عليهم من نصوص النبوءة. ومثال ذلك ما جاء في كتب اليهود والنصارى، من نصوص تبشّر بنبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. وبالرغم من كثرة النصوص التي أخبرت عنه، لم يستطع اليهود الاستدلال عليه يقينا، قبل ظهور أمره، وإلا لقتلوه. وصاحب النبوة لم يكن يعلم، بأنه المقصود بنبوءات أهل الكتاب، قبل أن يتنزّل عليه الوحي، وحتى اسمه (محمد) عليه الصلاة والسلام، جاء مغايرا لاسمه (أحمد) الموجود في كتبهم، حيث جاء بالمعنى وليس باللفظ. وبعدما بُعث، ومع مرور الزمن، بدأ الواقع يُفسّر جميع النصوص التي كانت بحوزتهم شيئا فشيئا. أما قريش فما كانت تُصدّق من نبوءات أهل الكتاب شيئا.
وحتى لو كُشفت مضامين النبوءات، عند اكتمال معالم القدر، وقبل تحقق الفصل الأخير منها، كان من الصعب على ذوي العلاقة، إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، من أجل التأثير على مجريات أحداثها، أو منع تحقّقها، وخاصة أن معظم النبوءات إذا فُسرّت، وكان واقع الحال لا يتطابق مع التفسير، وهذا أمر طبيعي جدا، فعادة ما يُجابه التفسير بالإنكار والتكذيب، أو التشكيك حتى ممن يعنيهم الأمر، أو الظن أن بالإمكان منعها، كما هو الحال عند بني إسرائيل، الذين يعلمون هذه النبوءة علم اليقين، ويُحاولون جهدهم منع تحقّقها، كما حاولوا جهدهم البحث، عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لمنع بعثه وظهور أمره. وكما سيكون الحال مع كثير من الناس، الذين سيقرأون هذا الكتاب، الذي نكشف فيه ملابسات تحقّق وعد الآخرة، كما لم تكن من قبل، بعد أن تشابكت خيوطها، واتصلت بإحكام منذ سنين عدة، ولكن الناس كانوا عنها غافلين.